العدد الثاني

ضمن هذا العدد
تحميل العدد

خلال الربع الأول من 2017، ساد في دول منطقة غرب آسيا وشمال إفريقيا حالة من الجمود السياسي حيث ظل وقف إطلاق النار في عدد من المناطق مستتباً على وجه العموم، في حين لا تزال صراعات أخرى متفرقة دون حلول مجدية. ففي غياب اتخاذ القوى الإقليمية أو العالمية لِمبادرات كبرى نحو الانفراج، يبقى التقدم في الوضع الميداني بطيئاً جداً ويتجسد ذلك في قتال القوات العراقية من بيت إلى بيت في الموصل وكذا في أغصان الزيتون الممدودة للأعداء القدامى والأصدقاء الجدد على حد سواء.

الاتجاهات السائدة

خلال الربع الماضي من هذه السنة، حاولت قوى إقليمية في غرب آسيا وشمال إفريقيا تحصين مكانتها، في وقت سعت فيه قوى عالمية إلى تعزيز تأثيرها على المنطقة. فبعد انتصارها المؤثر في حلب مع مطلع هذا العام، عمدت الحكومة السورية ورعاتها الروس إلى تدعيم سيطرتهم والتركيز على الخطوة المقبلة. وفي الوقت الذي لا تزال فيه الإدارة الأمريكية الجديدة منهمكة في وضع استراتيجيتها الإقليمية، تظل موسكو الطرف الضامن لمحادثات السلام السورية، وتُوجه أنظارها في الوقت ذاته نحو التطورات في ليبيا. وبينما يشتعل الخلاف بين إيران وتركيا حول مستقبل سوريا، تواصل السعودية نهجها مقاربة "الواقعية السياسية" في تحالفاتها الإقليمية، حيث تسير الرياض في اتجاه إصلاح العلاقات مع بغداد.

من جهة أخرى، تتواصل جهود تنويع الاقتصادات النفطية، حيث وحّدت دول مجلس التعاون الخليجي موقفها بشأن فرض الضريبة على القيمة المضافة، وهو الأمر الذي طال انتظاره. أما في الجزائر، يتسبب الركود الاقتصادي المستمر في مشكلات عدة، ما أدى إلى فرض تقشف في مختلف المجالات. وسمح تعويم العملة في مصر خلال الربع الماضي بعودة الاستثمارات الأجنبية وبِتحسن طفيف في التوقعات الاقتصادية للبلاد، لكن الارتفاع الحاد في التضخم وانخفاض الدعم الحكومي دفع المصريين إلى الخروج إلى الشوارع للاحتجاج.

أما على الصعيد الأمني، تظل الحرب على تنظيم «داعش» في العراق وسوريا أولوية في المنطقة. وقد تم تحقيق تقدم مهم بإخراج «داعش» من شرق الموصل، لكن المعركة الأصعب ما زالت قادمة في الجانب الغربي من المدينة، لا سيما تلك الأحياء ذات الكثافة السكانية، وخاصة في مناطق تعود مبانيها إلى قرون مضت. جغرافيا هذا الجزء من المدينة التاريخية ستفرض على القوات الحكومية نوعا من حرب المدن الصعبة. أما جنوباً، فقد تمت محاصرة «داعش» بشكل شبه كامل من قبل «قوات سوريا الديمقراطية» في الرقة التي اختارها التنظيم عاصمة له. لكن وفي الوقت نفسه الذي تخوض فيه القوات التي يقودها الأكراد وتدعمها الولايات المتحدة معارك ضد "داعش"، تجد هذه القوات نفسها منشغلة بهجمات جانبية محتملة من طرف حركات معارضة أخرى تدعمها تركيا في الشمال، وهو الأمر الذي يمكن أن يبطئ سير العمليات في الرقة.

الدول

إذا كانت الجزائر تواجه صعوبات جمة في استشراف مرحلة ما بعد الرئيس عبد العزيز بوتفليقة وتجاوز الأوضاع المترتبة على انخفاض أسعار النفط، فإن الأوضاع تبقى مع ذلك مستقرة إلى حد كبير بفضل جهود جهاز أمني قوي وتسلسل سياسي محكم وإن كان يغلب عليه الغموض.

أما في تركيا، فتتجه الأعين كلها إلى الاستفتاء الدستوري القادم. وفيما لا تزال ذكريات الانقلاب الأخير في الصيف الماضي عالقة بالأذهان، يعكف الرئيس رجب طيب أردوغان على حشد قاعدته الجماهيرية، وهو ما نتج عنه تصاعد التوتر على مختلف الخطوط الاجتماعية والسياسية وفي البلدان المجاورة.

ولا تبدو نهاية الصراع في اليمن والكارثةِ الإنسانية التي نجمت عنه وشيكة. فقد شهد الربع الأول من هذا العام تصاعداً في التدخل الأمريكي، وتقدماً للقوات المناهضة للحوثيين على امتداد ساحل البحر الأحمر، إضافة إلى بروز توترات داخلية في تعز وعدن.

الدراسات المعمقة

تُبرز الصعوبات التي تواجهها إيران في جذب الإستثمار الأجنبي المباشر التداعيات المستمرة للعقوبات الدولية (والتي تم رفعها جزئياً)، وحذر المستثمرين، علاوة على ضعف البنية التحتية و فشل مزمن في محاولات خلق بيئة جاذبة للاستثمار. ورغم حملة الاغراءات والعلاقات العامة التي ينتهجها قادة إيران، يظل المناخ الاقتصادي والسياسي في البلاد يعيش نوعاً من التباين.

جدير بالذكر أننا سنتطرق في مبحث "معضلة جلية دون حلول فعلية" إلى وضع الأمن الإلكتروني (السيبراني) في دول مجلس التعاون الخليجي. ففي الوقت الذي يواصل فيه المجلس التركيز على التهديدات الإيرانية التقليدية، تطورت التهديدات السيبرانية بشكل أسرع من أي تهديدات أخرى. ومن هذا المنطلق، فإن المراقبة الحثيثة والاستثمار والقدرات الضرورية للتصدي للتهديدات السيبرانية الإيرانية باتت أموراً عاجلة إلا أنها لم تحظَ بالاهتمام الذي يتناسب وخطورتها بعد.

بين الشلل السياسي والزخم الاقتصادي

أجندات مختلفة في منطقة متشعبة

شد وجذب بين إيران وتركيا حول سوريا
تعد كل من روسيا وتركيا وإيران اليوم الأطراف الضامنة لاتفاق وقف إطلاق النار في سوريا. وترأس موسكو هذه المجموعة، كما أنها تبذل جهوداً كبيرة للتوصل لإتفاق يدعمه الرئيس فلاديمير بوتين. وتركزت محادثات أستانة التي ترعاها روسيا على ضمان وقف إطلاق النار، في الوقت الذي تركزت فيه محادثات جنيف التي تقودها الأمم المتحدة بشكل مواز على إيجاد حل شامل للصراع السوري.

ورغم أنها قد فتحت الباب أمام إجراءات أكثر فعالية في جنيف، فإن محادثات أستانة كانت فاشلة إلى حد كبير. فعوضاً عن البحث عن حل وسط، يبدو أن الرئيس السوري بشار الأسد قرر الاستفادة من زخم العمليات العسكرية بعد انتصار الحكومة في حلب، واقتتال جماعات الثوار فيما بينها، إضافة إلى غياب توجه استراتيجي من جانب المعارضة. كما أن الرئيس السوري لا يبدو متحمساً لأية تنازلات الآن بعد الاعتراف الذي ظفر به على المستوى الإقليمي من طرف الأردن وتركيا ومصر، وكذلك على المستوى الدولي، خاصة بعد تعليقات وزير الخارجية البريطاني بوريس جونسون مع مطلع هذا العام.

مبعوث الأمم المتحدة الخاص إلى سوريا ستافان دي ميستورا في مؤتمر عقب محادثات السلام السورية في أسِتانة، كازاخستان، 24 يناير 2017. وكالة «رويترز»/مختار خولدوربيكوف/«فوكل ميديا»

ولا تكتفي روسيا بلعب دور الوساطة بين الأطراف السورية فقط، بل تجد نفسها مضطرة للقيام بدور مماثل بين تركيا وإيران كذلك. فقد بلغ التوتر بين أنقرة وطهران أشده في فبراير حين اتهم أردوغان ووزيرُ خارجيته إيران بالترويج لما دعاه بـ 'القومية الفارسية' في سوريا والعراق. من جانبها، ردت إيران بتهديد مبطن: "نحن نتحلى بالصبر، لكن لصبرنا حدود. إذا عاود أصدقاؤنا الأتراك الإدلاء بهذا النوع من الملاحظات، فإننا سنضطر للرد". هذه العلاقات المتوترة بين الدولتين تجعل التوصل إلى اتفاق شامل ونهائي بشأن سوريا أمراً بعيد المنال.

مع نهاية شهر يناير، وفي محاولة لاستمالة تركيا والظهور بمظهر المحايد، عاتبت موسكو دمشق بسبب قيامها بتحميل جماعات إرهابية مسؤولية هجمات كانت القوات الحكومية وراء تنفيذها. كما سمحت موسكو بمشاركة جماعتين مسلحتين من الثوار في محادثات أستانة، وذلك بعد أن كانتا قد صُنفتا في السابق على أنهما جماعتان إرهابيتان. غير أن هذه البراغماتية التي انتهجتها روسيا في الآونة الأخيرة لم تعط ثمارها حتى الآن.

روسيا تعزز وجودها في المنطقة
بعد النجاح الباهر للحكومة السورية في حلب، تبحث روسيا الآن عن سبل ترسيخ انتصاراتها وتعزيز دائرة حلفائها وتوسيع مناطق نفوذها. وفي ظل غياب أي زعامة إقليمية، أفصحت روسيا عن نواياها بشكل واضح. غير أن هذا ليس بالأمر الهين.

وتوجه موسكو الآن اهتمامها نحو ليبيا. فتلك الدولة الواقعة في شمال أفريقيا هي حلقة ربط بين إفريقيا وأوروبا، كما أن روسيا تعي تماما الصدمات التي تلقاها الأوروبيون منذ سقوط الرئيس السابق معمر القذافي. بالنسبة لبوتين، قد تمثل الأزمة الليبية الفرصة المثالية لخدمة خطته الجيو-استراتيجية الشاملة من أجل منافسة النفوذ الغربي في منطقة غرب آسيا وشمال إفريقيا.


"ويرجح أن تتمركز روسيا على المدى المتوسط والبعيد في المنطقة للتعويض عن مليارات الدولارات التي خسرتها في صفقات الأسلحة وعقود البناء عقب اندلاع الثورة الليبية في 2011."

ويرجح أن تتمركز روسيا على المدى المتوسط والبعيد في المنطقة للتعويض عن مليارات الدولارات التي خسرتها في صفقات الأسلحة وعقود البناء عقب اندلاع الثورة الليبية في 2011. ولعل الإشارة الأولى على هذا التحول جاءت في أواخر فبراير حين وقعت شركة «روسنفت» النفطية الروسية على اتفاقية مع المؤسسة الوطنية للنفط. وكان دعم روسيا للجنرال خليفة حفتر، القائد العسكري للحكومة الشرقية في ليبيا، محط متابعة إعلامية واسعة بعد أن توقفت إحدى البارجات الحربية الروسية في المياه الليبية وهي في طريقها إلى سوريا. وقد تم نقل حفتر جواً إلى البارجة الروسية وحظي بجولة خاصة بعد أن أجرى محادثة عبر الفيديو المباشر مع وزير الدفاع الروسي سيرغي شويغو.

في هذه الأثناء على الجبهة المتوسطية، تتنافس روسيا مع الآخرين للوصول إلى الموانئ المصرية والليبية والجزائرية. ومع امتلاكها لقاعدة بحرية استراتيجية في مدينة طرطوس بسوريا، ترغب روسيا في ضمان تمكن سفنها من الوصول بحرية إلى الموانئ الواقعة في الحوض المتوسطي، فاتحة المجال بذلك لتواجد عسكري في تلك المنطقة الشاسعة بين المغرب وسوريا، ويُعتبر تجديد التواجد العسكري الروسي في البحر الأبيض المتوسط واحداً من الأهداف البحرية لموسكو.

ممرات بحرية
باستثناء المعركة ضد «داعش» في العراق وسوريا، يعتبر اليمن أنشط ساحة صراع في منطقة غرب آسيا وشمال إفريقيا. وفيما يركز جزء " الدول" من التقرير الفصلي الثاني حول منطقة غرب آسيا وشمال إفريقيا على مظاهر تلك الحرب ، يَبرُز التنافس على السيطرة على الممرات البحرية الإقليمية من خلال السباق على التحكم في مضيق باب المندب. ففي أوائل شهر فبراير على سبيل المثال، استُهدفت فرقاطة سعودية بزورق مليء بالمتفجرات مُتحكَّم به عن بعد، وقد أدى الهجوم الذي تبنَّته ميليشيا الحوثيين المدعومة من إيران إلى مقتل شخصين من طاقم الفرقاطة.

"ومعبرا للوصول إلى قطاع النفط والغاز بشكل أوسع، وتخضع تلك الممرات تقليديا لحماية الولايات المتحدة."

يعتبر كل من مضيق باب المندب وقناة السويس منطقتي عبور على البحر الأحمر، ومعبرا للوصول إلى قطاع النفط والغاز بشكل أوسع، وتخضع تلك الممرات تقليديا لحماية الولايات المتحدة التي أنزلت مؤخراً ثلاث سفن حربية داخل المضيق وحوله، بما فيهم المدمرة البحرية «يو إس إس كول»، ولم تأت سبل الدفاع الجديدة هذه دون سبب؛ فقبل ذلك بأسابيع قليلة، أطلقت المدمرة «يو إس إس ماهان» طلقات تحذيرية على أربع زوارق إيرانية للهجوم السريع قرب مضيق هرمز. وفي أواخر شهر فبراير، ورداً على التواجد البحري الأمريكي المتزايد وأسلوب الترهيب الذي تمارسه الإدارة الأمريكية الجديدة، أطلقت إيران مناورات بحرية مكثفة عبر مضيق هرمز ومضيق باب المندب وخليج عُمان والمناطق الشمالية من المحيط الهندي. ومع تصاعد التوترات في هذه البؤر الجيوسياسية الساخنة، فإنه من المرجح أن تغدو الممرات البحرية عبر الخليج ساحات للمزيد من التنافس بين الدول، ما سيتطلب رصداً مكثفاً.

أوراق التوت وأغصان الزيتون في الخليج
عقب توليه منصب الرئاسة في أواخر سنة 2016، قضى الرئيس اللبناني ميشال عون معظم الربع الأخير من السنة في التواصل مع دول الخليج، وخاصة المملكة العربية السعودية. وإثر زيارته للرياض في يناير الماضي، توجه ثامر السبهان، وزير الدولة السعودي لشؤون الخليج العربي والمبعوث الخاص للملك، إلى بيروت مصحوباً بسفير سعودي جديد. غير أن تحالف عون مع «حزب الله» سيحد من أي توطيد للعلاقات بين البلدين، خاصة في ظل تسبب تصريحات زعيم حزب الله حسن نصر الله مؤخراً حول اليمن والبحرين في خلق توترات.

وقد أحبط دعم عون الصريح لـ«حزب الله» الأحلام الكبيرة المتمثلة في نسج علاقات أفضل بين دول مجلس التعاون الخليجي ولبنان، وكرد على هذا الدعم، قام العاهل السعودي الملك سلمان بإلغاء زيارته لبيروت. بيد أن رئيس الوزراء اللبناني سعد الحريري، وفي محاولة لتخفيف حدة التوتر، رافق عون إلى القمة العربية التي انعقدت في العقبة بالأردن في أواخر شهر مارس، وتلقى المسؤول اللبناني خلال القمة دعوة لزيارة الرياض.

وتحاول السعودية أيضاً توطيد علاقتها مع العراق، حيث التقى وزير الخارجية عادل الجبير برئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي ووزير خارجيته إبراهيم الجعفري، في أواخر شهر فبراير، وهي أول زيارة يقوم بها وزير خارجية سعودي إلى العراق منذ 1990. وخلال اللقاء، أعلن الجبير كذلك أنه سيتم تعيين سفير جديد في بغداد. ويعتبر هذا الأمر فرصة مهمة بالنسبة للسعوديين لموازنة النفوذ الإيراني في العراق في ظل استمرار المعركة ضد «داعش» في الموصل، كما أنها مناسَبة لإظهار القدرة على المبادرة في الوقت الذي تقوم فيه الولايات المتحدة ببلورة أجندة إقليمية موسعة.


"وفي الوقت الذي قد يميل فيه البعض إلى توقع الأثر الذي سيكون للرئيس الأمريكي ترامب على المنطقة، ما زالت إدارته تتحسس طريقها."

وفي الوقت الذي قد يميل فيه البعض إلى توقع الأثر الذي سيكون للرئيس الأمريكي ترامب على المنطقة، ما زالت إدارته تتحسس طريقها. وحتى الآن، تجاوز عدد الكلمات والتصريحات المتناقضة حول إيران، والصراع العربي-الإسرائيلي ، والمعركة ضد «داعش» عدد الأفعال. ومع شح المعلومات من أجل التحليل أو الاستنتاج، تظل إدارة ترامب المضطربة عنصراً غامضاً في منطقة تعج أصلاً باللاعبين والمخططات.

وفي دول الجوار، مُدت لإيران ورقة توت عبر الكويت وعمان؛ فعقب استضافتها لمحادثات السلام بين الأطراف المتحاربة في اليمن في الصيف الماضي، استقبلت الكويت الرئيس الإيراني حسن روحاني في فبراير. ورغم أنه كان يمكن اعتبار الزيارة بمثابة طريقة تؤكد بها الكويت، التي تضم شريحة شعبية مهمة ذات جذور إيرانية، على استقلاليتها، شددت تصريحات لاحقة على أن الكويت كانت تتحدث نيابة عن دول مجلس التعاون من أجل "التطبيع وفتح الحوار" مع الجار الإيراني.

الالتزام بإنتاج النفط مع استمرار الاقتطاعات والتنويع
مع ارتفاع أسعار النفط من أقل من 30 دولاراً للبرميل إلى أكثر من 50 دولاراً للبرميل خلال سنة واحدة، حظي المنتجون الإقليميون بهبة من السماء. وفي مفاجأة للمحللين، لم تقم منظمة الدول المصدرة للنفط «أوبك» بالالتزام بالاتفاق الذي تم التوصل إليه في نوفمبر 2016 فحسب، بل إنها أظهرت مستويات عالية من الامتثال لبنوده، الأمر الذي ساعد على تقليص المخزونات النفطية المتضخمة (خاصة في الولايات المتحدة) التي كانت، حتى ذلك الحين، تضع قيوداً على الأسعار. وقد وصفت «وكالة الطاقة الدولية» هذا الأمر بأنه "واحد من أكبر الاقتطاعات المسجلة"، بمعدل التزام قُدر بـ90% بعد الشهر الأول. وفي حين أشارت تقارير إلى أن دولة الإمارات والعراق هما الأقل التزاماً بالاتفاق، التزمت السعودية ببنود الاتفاق إلى الحد الأقصى. لكن بغض النظر عن نجاح الاتفاق، تظل مسألة تنويع الاقتصاد أمراً ملحاً بالنسبة للدول المصدرة للنفط.

وفي المملكة العربية السعودية، وتماشياً مع مخطط ولي ولي العهد الأمير محمد بن سلمان المتعلق برؤية 2030، تكتسب الفعاليات الثقافية زخما. ففي جدة، قامت الهيئة العامة للترفيه في السعودية ضمنياً باستضافة افتتاح معرض «كوميك كون» المعروف عالميا وكذلك حفلا غنائيا عاما للفنان السعودي محمد عبده. وفي حين استنكر بعض أهم رجال الدين في المملكة قيام الحكومة بالموافقة على الحفل وغيرها من الفعاليات الثقافية المختلطة، انتهجت الهيئة العامة للترفيه مقاربة دقيقة. فعقب معرض «كوميك كون»، أعربت الهيئة علناً عن أسفها بسبب "مخالفات لم يتم تحديدها". ويجب على الحكومة السعودية التحلي بالكياسة والحنكة للمضي قدماً في الأهداف الثقافية الطموحة لرؤية 2030. وعلى خطى السعودية، استجابت دول أخرى في المنطقة لأزمة النفط برفع الدعم المالي للمشروعات الثقافية. إلا أن دولاً أخرى قد اتخذت طريقاً معاكسة: ففي يناير، أعلنت الجزائر أنها ستقوم بتخفيض الإنفاق المخصص للمهرجانات بنسبة تتراوح بين 20% و50%.

فرض الضرائب بدول مجلس التعاون الخليجي
يستمر تنويع عائدات حكومات دول مجلس التعاون الخليجي في التبلور بعد عقد من النقاشات، ولم يتبق على فرض الضريبة على القيمة المضافة في دول المجلس سوى عام واحد فقط. وعلى هذا الصعيد، شكل الربع الأخير اختباراً حقيقياً لدول المجلس من أجل الالتزام بالأجل المحدد في الأول من يناير 2018 للتنفيذ الشامل. وفي أواخر يناير 2017، أقرت السعودية تطبيق الضريبة على القيمة المضافة، وكشف وكيل وزارة المالية البحريني للصحافة بعد ذلك بشهر مزيداً من المعلومات حول الموضوع.


"وتعمل كافة دول مجلس التعاون الخليجي معاً لوضع الإطار القانوني والإداري اللازمين لتطبيق نظام الضريبة على القيمة المضافة بشكل مناسب."

وتعمل كافة دول مجلس التعاون الخليجي معاً لوضع الإطار القانوني والإداري اللازمين لتطبيق نظام الضريبة على القيمة المضافة بشكل مناسب. ومن غير المتوقع أن تُفرض ضريبة 5% على قطاعي الصحة والتعليم أو المنتجات التي قد تثقل كاهل الطبقات الدنيا. ومع ذلك، يُتوقع أن تجني الإمارات وحدها 12 مليار درهماً في السنة الأولى لتطبيق النظام الضريبي، كما يُتوقع أن تصل الإيرادات إلى 20 مليار درهماً في السنة التي تليها.

من جهتها، قطعت عُمان التي ذاقت مرارة انخفاض أسعار النفط أكثر من جاراتها الخليجية خطوة أبعد في الربع الأول من هذا العام، حيث قامت مسقط بتعديل التشريع الضريبي ليشمل الشركات الصغرى. وبِموجب قانون الضرائب الجديد، يتعين على كافة الشركات دفع ضريبة مرنة يحتسب معدلها بناءً على الأرباح التي حققتها.

الاقتصاد المصري بين المرونة والحذر
بعد أشهر من تصدر مصر لعناوين وسائل الإعلام الدولية إثر سماحها بتعويم عملتها، بدأ اقتصادها في استرجاع استقراره. تعافٍ مضنٍ نتج عن عدة عوامل من قبيل: انتعاش الاستثمار الأجنبي المتمثل في تحسن أداء الجنيه المصري بنسبة تصل إلى 14% مقابل الدولار الأمريكي في الأسبوعين الأولين من شهر فبراير، وبيع ما يزيد عن مليار دولار من سندات الخزانة المصرية للمستثمرين الأجانب. علاوة على ذلك، تلقى الاقتصاد دفعة مهمة بعد النمو الذي شهدته الحوالات والقطاع السياحي، ما يشير إلى انخفاض العجز الحكومي بنسبة تقدر بـ10% وتراجع معدل البطالة بما يقارب 1% مقارنة بالسنة الماضية.

غير أن هذه التداعيات الإيجابية لم يصل صداها إلى الشارع، فانخفاض قيمة العملة رفع من أسعار السلع المنزلية والمنتجات المستوردة بدرجة كبيرة بالنسبة لقدرة المصريين الشرائية. كما أن أي توقعات موثوق بها للمشهد المصري تظل محدودة. ومع استمرار التضخم (الذي وصل إلى أكثر من 30% في فبراير) في الارتفاع، أدى رفع الدعم عن الخبز إلى اندلاع احتجاجات، مع احتمال أن يتفاقم انعدام الاستقرار الاجتماعي. ومن جهتها، تحتاج حكومة الرئيس عبد الفتاح السيسي لأن تثبت بأنه بمقدورها تحويل الإصلاحات المضنية والمكتسبات القصيرة الأمد إلى رؤية اقتصادية ملموسة من أجل تحقيق نمو مستدام.

الموصل: معركة حاسمة وحالة إنسانية حرجة
من الناحية الأمنية، تركز المعارك الإقليمية على تنظيم «داعش» داخل الموصل وفي أنحائها. وبالرغم من توجه الأنظار للرقة أيضاً، فإن دخول تلك المدينة السورية بطيء و محفوف بالصعوبات السياسية والأمنية (انظر التحليل القطري لمزيد من المعلومات). أما وراء الحدود، فقد طردت قوات الأمن العراقية «داعش» من شرق الموصل وتواصل تقدمها شمالاً من المطار تجاه المدينة القديمة التي تمثل المركز التاريخي.


العنوان: المعركة الصعبة في غرب الموصل
المصدر: مركز دلما، 2017


وبتوفر الدعم الذي تقدمه قوات التحالف الدولي التي أصبحت تنشط بشكل متزايد في المعارك، سيتعين على القوات العراقية تعلم الدروس من المرحلة الأولى من الاقتتال، وذلك من خلال الحد من عدد الإصابات البشرية والأضرار التي تلحق بالمعدات. وسيكون مطار الموصل الدولي والقاعدة العسكرية المجاورة منطلقاً للعمليات في غرب المدينة.

و يُتوقع أن تكون المرحلة القادمة من المعارك صعبة جداً لأسباب عديدة أهمها وجود عدد أكبر من الأحياء في المنطقة الغربية بالمقارنة مع الجهة الشرقية. ونظراً للشوارع الضيقة والكثافة السكانية المرتفعة، لاسيما داخل المدينة القديمة وفي أنحائها، يُتوقع أن يلحق الدمار بمعظم البنى التحتية. والأهم من ذلك، يتوقع أن ينتج عن العمليات خسائر بشرية كبيرة بين المدنيين.

يقدر عدد السكان في الجزء الغربي من المدينة بـ 750 ألف نسمة، طلبت منهم قوات الأمن العراقية البقاء في منازلهم بدلا من الفرار من الأحياء التي يدور فيها القتال. وبالرغم من تلك الطلبات المتكررة لقوات الأمن العراقية، يتوقع مكتب الأمم المتحدة لتنسيق شؤون اللاجئين بأن ما يقدر بـ250 ألف شخصاً سيفرون من المنطقة إلى مكان أكثر أمناً.

ونتج عن هجوم الموصل منذ انطلاقه أكثر من 350 ألف نازح، أشرفت عليهم الوكالات الأممية والعراقية التي جهزت مخيمات خارج حدود المدينة. وفي حال استمر القتال لمدة طويلة في غرب الموصل فإنه لن يكون من السهل احتواء الوضع؛ فالجسور التي دُمِّرت لمنع مقاتلي «داعش» من الفرار إلى شرق الموصل قد حاصرت المدنيين عن غير قصد، ما يجعل من الهروب إلى الجنوب رحلة محفوفة بالمخاطر. علاوة على ذلك، يقدر مكتب الأمم المتحدة لتنسيق شؤون اللاجئين بأن المخيمات يمكن أن تأوي 60 ألفاً من النازحين الجدد، وهو عدد أقل مما هو متوقع، في حين قالت الأمم المتحدة إن "الأغذية وإمدادات الوقود المتاحة آخذة في التناقص، وقد بات السكان يلجأون لإحراق الأثاث والقمامة للتدفئة".

خريطة تطويق داعش في العراق و سوريا

المصدر: مركز دلما، 2017

التقدم البطيء إلى داخل الرقة
أثبتت محاصرة «داعش» من الشمال بأنها عملية معقدة للغاية. ومع تقدمها البطيء صوب الرقة، سيطرت «قوات سوريا الديمقراطية» بقيادة الأكراد على غالبية المناطق الخاضعة للتنظيم في المناطق المجاورة لريف الرقة. وقد أصبحت «قوات سوريا الديمقراطية» في الوقت الراهن على بعد 5 كيلومترات تقريباً من الشمال الشرقي للمدينة وهي في صدد العمل على تطويقها. وبينما تعد هذه القوات مؤهلة أكثر من غيرها لقيادة التقدم نحو الرقة، فإن المنافسة مع تركيا على أشدها. ففي الوقت الذي لا تزال فيه «قوات سوريا الديمقراطية» الحليف الرئيسي للولايات المتحدة في الحرب على «داعش» في سوريا، قد تتسبب تركيا في الكثير من الإزعاج.

ولتخفيف وقع مطالبها المتمثلة في توقف الولايات المتحدة عن تقديم دعمها للأكراد، اقترحت تركيا خيارين للسيطرة على الرقة دون مشاركة «قوات سوريا الديمقراطية». كلا هذين المقترحين غير قابل للتنفيذ من دون إشراك جماعة «أحرار الشام»، وهي منظمة متطرفة بكل المقاييس وإحدى الجماعات التي لا تستطيع الولايات المتحدة أو روسيا أو الحكومة السورية التعويل عليها. وسيكون على الولايات المتحدة إشراك حلفائها لضمان تركيز القتال على «داعش»، وقبول خطة للحكم الإداري لفترة ما بعد «داعش» من قبل كافة الأطراف التي من شأنها إفساد تنفيذ الخطة على أرض الواقع. ومن جهة أخرى، فإن الدعم الأمريكي لـ«قوات سوريا الديمقراطية» يهدف إلى تذكير تركيا بالجهة التي تحظى بولاء الولايات المتحدة.

سيركز هذا الجزء على المستجدات في كل من الجزائر وتركيا واليمن. ففي ظل وجود مؤسسات وطنية قوية، يظل الوضع في الجزائر مستقراً بشكل عام بالرغم من الفراغ القيادي الوشيك. أما تركيا فقد عرفت مجموعة من الأحداث على صعد عدة، فبين الاستفتاء الدستوري التاريخي المقبل وتدخل أنقرة الكبير في شمال سوريا، أضحى إردوغان يفرض وجوده بقوة. وفي ظل استمرار الجمود الذي يلف الصراع اليمني ويبقيه دون حل، نجد أن التحالف المناهض للحوثيين سائر في شق طريقه تجاه الخط الساحلي الغربي للبلاد.

الجزائر

تغليب الاستقرار وسط جو يعمه الغموض

بالرغم من تأثر الجزائر بتداعيات الصراع في ليبيا، وانهيار أسعار النفط، والغموض الجيو-سياسي الذي يلف منطقة الساحل، تظل البلاد مستقرة إلى حد كبير، وذلك رغم التوقعات بحدوث أزمة وشيكة.

وما زال الغموض يحيط بالحالة الصحية للرئيس عبد العزيز بوتفليقة، وبخطة خلافته، ورؤية الحكومة الجزائرية فيما يخص تنويع الاقتصاد. في المقابل، ما تزال هياكل الدولة ومؤسساتها مثل الجيش تحتفظ بصلابتها، وهو ما سمح للسلطات بمواصلة الإصلاحات والعروض السياسية بشكل بطيء وتدريجي. بيد أن هناك تصاعدا في مخاوف أحزاب المعارضة من أن تكون الحكومة عازمة على الحفاظ على الوضع القائم بدل تهيئة الظروف المناسبة لتحقيق تغيير اقتصادي وسياسي حقيقي.

دولة مستقرة في منطقة مضطربة
لسنوات اعتُبر موقع الجزائر الجغرافي المعزول نسبياً ميزة للبلاد. غير أن هذا الأمر تغير بعد الهجوم الدامي الذي تعرضت له وحدة عين أميناس لإنتاج الغاز في 2013. وقد اعترف المسؤولون الأمنيون والعسكريون أن طول حدود البلاد البرية وصعوبة حمايتها رقد تكون نقطة ضعف الجزائر من الناحية الجغرافية.

"هذه الحدود، وبالأخص مع مالي والنيجر وليبيا، والتي كانت تجسد فيما مضى العمق الاستراتيجي للجزائر في إفريقيا، باتت منذ سنة 2012 عبارة عن مناطق عسكرية."

هذه الحدود، وبالأخص مع مالي والنيجر وليبيا، والتي كانت تجسد فيما مضى العمق الاستراتيجي للجزائر في إفريقيا، باتت منذ سنة 2012 عبارة عن مناطق عسكرية مغلقة تحت حماية ما يناهز 35 ألف جندي. وكنتيجة لذلك، وصلت الميزانية العسكرية للجزائر في سنة 2016 إلى 10.9 مليارات دولار، أي 6% من الناتج المحلي الإجمالي، ما يجعلها واحدة من أكبر الميزانيات العسكرية بين الدول العربية والإفريقية. وعلى عكس بعض دول منطقة غرب آسيا وشمال إفريقيا، كان لهذا الاستثمار أثر واضح: إذ فشلت فروع تنظيمي «القاعدة» و«داعش» في إيجاد موطئ قدم لها في الجزائر. ففي 17 فبراير على سبيل المثال، نجحت قوات الجيش في قتل 14 مقاتلاً من تنظيم «داعش»، وقامت بحجز أسلحة وذخائر في البويرة التي تقع على بعد 100 كلم شرقي الجزائر العاصمة. أما وراء الحدود الجزائرية، فالقدرات المتنامية لتنظيم «القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي» وعودة التنظيم لممارسة أنشطته في مالي ومنطقة الساحل الكبرى تعززت بعد إعلان جماعة «أنصار الدين»، ومسلحي «المرابطين» و«كتيبة ماسينا» انضمامها للتنظيم، وهو ما يزيد من التهديدات الأمنية التي تواجهها منشآت النفط والغاز الجزائرية.

من جهة أخرى، فإن مقاربة الجزائر المحايدة وعقيدتها الرافضة للتدخل قد دفعتا جيرانها إلى دعم دورها في الوساطة الإقليمية والجهود الدبلوماسية، وبالأخص في ليبيا، التي ظهرت من خلالها الجزائر، على مدى الربع الماضي من السنة، بمظهر الوسيط الرئيسي بين كافة الأطراف الليبية المعنية. وفي الوقت الذي لم يتم إحراز أي تقدم ملموس على هذا الصعيد، إلا أن تجربة الجزائر فريدة من نوعها لأنها تمكن من استقبال كافة رؤساء الجهات المتقاتلة.

الميزانية العسكرية للجزائر، 2014-17 (مليار دولار)

المصدر: موقع «كل شيء عن الجزائر»، 2016

الوضع السياسي: الأمور باقية على حالها
في وقت تسعى فيه إلى تخفيف تداعيات انعدام الاستقرار عند جيرانها على البلاد، تخوض الحكومة الجزائرية كذلك مهمة صعبة تتمثل في الحفاظ على هيكل السلطة الأساسي في البلاد. فالسلطة في الجزائر قاومت محاولات الإصلاح منذ أن نالت البلاد استقلالها، كما أنها فشلت بشكل كبير في مواجهة المخاوف بشأن ضعف الإدارة الحكومية المتمثل في الفساد وانهيار الخدمات العامة. علاوة على ذلك، ساهم إلغاء زيارة المستشارة الألمانية أنغيلا ميركل في فبراير 2017 عقب مكالمة في آخر اللحظات بسبب "الغياب المؤقت" للرئيس بوتفليقة في تعميق مخاوف الجزائريين. هذا وتظل الرئاسة في عهد بوتفليقة مركز السلطة في البلاد، غير أن هوية خلفه وكيفية نقل السلطة تظلان غامضتين.


رجل يزيل الأعلام الجزائرية والألمانية من الشوارع بعد إلغاء زيارة المستشارة الألمانية أنغيلا ميركل للمدينة. 20 فبراير 2017. وكالة «رويترز»/رمزي بودينة/«فوكل ميديا»

وتواصل الحكومة تنفيذ أجندتها الخاصة، حيث أدخلت في أوائل فبراير حزمة من الإصلاحات الدستورية تهدف إلى تعزيز الديمقراطية في البلاد. وكبادرة حسن نية تجاه المعارضة (وخشية مقاطعة محتملة للانتخابات من جانب المعارضة)، شملت الإصلاحات إحداث الهيئة العليا المستقلة لمراقبة الانتخابات. وتتألف هذه الهيئة من 410 أعضاء، نصفهم قضاة قام المجلس الأعلى للقضاء باختيارهم. وفي محاولة لتهدئة المعارضة، عيّن بوتفليقة عبد الوهاب دربال، وهو رجل قانون ووزير سابق وإسلامي معتدل، رئيساً للهيئة.

ومع اقتراب انتخابات 4 مايو التشريعية، تفرقت مواقف المعارضة التي كانت موحدة في السابق بسبب خلافات بشأن كيفية معارضة الأجندة السياسية الحكومية، حيث اختارت بعض الأحزاب المشاركة في الانتخابات، في حين ارتأت أحزاب أخرى مقاطعتها. ويقاطع الوزير الأول السابق ورئيس حزب «طلائع الحريات» علي بن فليس العملية الانتخابية، واصفاً إياها بأنها "ثانوية وسخيفة وبعيدة عن الأولويات الراهنة". بالمقابل، قامت الأحزاب الإسلامية بتوحيد صفوفها في محاولة للتعويض عن هزيمتها في انتخابات 2012.


أبرز اللاعبين في مرحلة ما بعد بوتفليقة
المصدر: مركز دلما، 2017


نموذج جديد للتنمية الاقتصادية
ستجرى الانتخابات هذه المرة في ظروف اقتصادية حرجة. فبعدما استفادت البلاد لعقد من الزمن من الثروات النفطية التي مكنتها من تحقيق تقدم مهم في مجالي التنمية البشرية والبنية التحتية، فضح انهيار الأسعار على مدى العامين الماضيين مكامن الضعف المتجذرة في الاقتصاد الجزائري. وتظل الجزائر تعتمد بشكل مفرط على النفط والغاز اللذين يغطيان نسبة 60% من ميزانية الدولة و95% من إيرادات الصادرات. وقد ارتفع معدل التضخم من 4.8% في سنة 2015 إلى 6.4% سنة 2016 ووصل إلى 8.1% في يناير 2017. وفي محاولة لتخفيض دين البلاد إلى 8% من الناتج المحلي الإجمالي، كشفت الميزانية الحكومية في 2017 عن مقترحات لفرض الضريبة على القيمة المضافة وتقليص نفقات الدولة بنسبة 14%، الأمر الذي أدى إلى اندلاع احتجاجات في البلاد.

وكمثيلاتها من الدول الغنية بالنفط، تعول الجزائر بشكل كبير على الإنفاق الحكومي للحفاظ على الاستقرار الاجتماعي. إلا أنه في ظل الظروف الراهنة، ترى الحكومة أن هذه التخفيضات ضرورية، إذ يقول الرئيس بوتفليقة:

"اليوم هناك وعي واضح بأن السلع الاستهلاكية لا يمكن أن تكون قاعدة للتنمية الاجتماعية والاقتصادية. وحتى إذا عاودت أسعار النفط الارتفاع مستقبلاً فإنها لن تغطي كافة احتياجاتنا، لذلك فمن المهم التحرك وتوظيف الاستراتيجيات الضرورية لضمان مستقبل أكثر إشراقاً."

وفي سبيل تنويع الاقتصاد، اعتمدت الحكومة مؤخراً نموذجاً اقتصادياً يهدف إلى تحقيق إيرادات ضريبية إضافية على مدى السنوات الأربع القادمة من خلال زيادة الاستثمارات في القطاعات ذات القيمة المضافة، وكذلك من خلال مساهمة القطاع الخاص.

ولإظهار جديتها، صادقت الحكومة على بناء ميناء مياه عميقة بقيمة 3.3 مليارات دولار في الحمدانية غرب الجزائر العاصمة، وهو مشروع من تنفيذ «شركة الإنشاءات الهندسية» التابعة للحكومة الصينية و«الشركة الصينية لهندسة الموانئ». وسيكون الميناء عبارة عن مركز جذب للتجارة الإقليمية، وسيربط البحر الأبيض المتوسط بالطريق السريع العابر للصحراء (وهو الطريق الذي سيربط بين الجزائر العاصمة ولاغوس بعد إتمامه).

غير أن ممارسة الأعمال في الجزائر لا تزال معقدة ومحفوفة بالصعوبات التنظيمية والبيروقراطية: فقد احتلت البلاد الرتبة 156 عالمياً في تقرير "ممارسة الأعمال" الخاص بالبنك الدولي لسنة 2017. وإلى أن تستهدف الإصلاحات الإدارية والتجارية الشاملة الفساد المستشري في البلاد وحزمة المتطلبات التنظيمية، ستجد الجزائر صعوبة في تحفيز المستثمرين المحليين والأجانب على المساهمة في تنويع الاقتصاد.

الوضع الاجتماعي
رغم جهود الجزائر لتجنب فرض تقشف على قطاعات التعليم والسكن والصحة، فإن المواطنين قد عانوا من وطأة تدابير التقشف التي تجلت في ارتفاع أسعار الأغذية. وفي 2 يناير، تخللت احتجاجات شهدتها مدينتا بجاية والبويرة أعمال عنف، ما دفع الوزير الأول عبد المالك سلال إلى وصفها بأنها "محاولة لزعزعة استقرار البلاد".


"ومنذ سنة 2011، رفعت الحكومة حجم التمويل المخصص للوكالة الوطنية لدعم تشغيل الشباب، والتي تسعى إلى تسهيل قدرة الشباب على الوصول إلى تمويل محدود وإلى تقديم الدعم المالي للشركات الصغيرة."

ومنذ سنة 2011، رفعت الحكومة حجم التمويل المخصص للوكالة الوطنية لدعم تشغيل الشباب، والتي تسعى إلى تسهيل قدرة الشباب على الوصول إلى تمويل محدود وإلى تقديم الدعم المالي للشركات الصغيرة. ورغم هذه الجهود المبذولة لمعالجة مسألة البطالة في صفوف الشباب، يظل حوالي 30% من الجزائريين الذين تتراوح أعمارهم بين 16 و24 سنة عاطلين عن العمل، وهو عدد يقارب ثلاثة أضعاف المعدل الوطني الذي تبلغ نسبته 9.9%. وقد تضاربت تصريحات الحكومة المطَمئنة حول إعفاء "الوكالة الوطنية لدعم تشغيل الشباب" من خفض الميزانية مع تقارير أفادت بأن عدد المشاريع الممولة من طرف الوكالة قد انخفض بشكل ملحوظ في 2016. ومع استمرار التحديات الاقتصادية الهيكلية، لم تحظ محاولات الحكومة لإدماج الشباب في القوة العاملة سوى بنجاح محدود.

تركيا

بين الحروب الكلامية وصناديق التصويت والتحالفات

يعيش المواطنون الأتراك في ظل حالة الطوارئ منذ محاولة الانقلاب التي شهدتها البلاد في 15 يوليو 2016. وفي ظل سعي المجتمع لتجاوز هذا الأمر، تستمر وتيرة الإجراءات القمعية التي تشنها الدولة في التسارع، حيث يتم إعفاء الآلاف من موظفي الخدمة المدنية والضباط من الخدمة العامة كل شهر، فيما ينتظر مئات الأشخاص إصدار عقوبات في حقهم بتهم مرتبطة بالإرهاب.

وقد شكلت الخطابات المعادية التي تضع "الخونة" في مواجهة الوطنيين السمة المميزة لبيئة سياسية تستعد لاستفتاء بالغ الأهمية في أبريل يخص الإصلاحات الدستورية التي قد توسع سلطات أردوغان التي تظل دون ذلك شرفية فقط، وهو ما سيكون سابقة في تاريخ تركيا. وقد صاحب الغموض الذي يخيم على الساحة المحلية سلسلة من الحوادث الدبلوماسية في أوروبا: فقد كانت الحكومة تسعى لإطلاق حملات بين الجاليات التركية المقيمة بالخارج، قبل أن تواجه مقاومة سياسية تصاعدت منذ ذلك الحين وتمثلت في تأجيج حرب كلامية مع بعض الدول بما فيها حلفاؤها التقليديون في الاتحاد الأوروبي، فضلاً عن استدعاء ممثليها الدبلوماسيين.

"ومع استعداد الناخبين الأتراك للتصويت، يتعين عليهم كذلك التعامل مع اقتصاد متراجع وعملية عسكرية مزدوجة تدور على حدود البلاد الجنوبية الشرقية."

ومع استعداد الناخبين الأتراك للتصويت، يتعين عليهم كذلك التعامل مع اقتصاد متراجع وعملية عسكرية مزدوجة تدور على حدود البلاد الجنوبية الشرقية. وبالموازاة مع استمرارها في شن غارات جوية على حزب العمال الكردستاني، تبنت تركيا على الخصوص سياسة بعيدة المدى شمال سوريا تسعى لتحقيق نفس الغاية: تفادي إنشاء وحدات حماية الشعب الكردية ممراً كردياً مستقلاً، ورغم أن العملية التي يشار إليها بـ "عملية درع الفرات" تشمل هجمات ضد تنظيم داعش، فإن غايتها القصوى هي القضاء على التواجد الكردي المسلح غرب الفرات. وباتت سيطرة تركيا مؤخراً على مدينة الباب، الواقعة على تقاطع مقاطعتي عفرين وكوباني الكرديتين، الذريعة الاستراتيجية من أجل توسيع التدخل التركي في المنطقة.

الباب: مدخل تركيا إلى الأراضي الكردية في سوريا
مع تعزيز تركيا لدورها كأحد رعاة مفاوضات السلام السورية، تدور أسئلة حول ما ستؤول إليه مناوراتها لمكافحة الإرهاب في شمال سوريا. وقد شهد شهر يناير تحولاً ضمنياً في سياستها القديمة الداعية إلى الإطاحة بالأسد، إضافة إلى شروعها في توحيد جهود مكافحة الإرهاب مع غريمتها السابقة روسيا. وأصبحت مدينة الباب، التي كانت غير معروفة لدى أغلب المواطنين الأتراك، تتصدر عناوين الأخبار في ديسمبر 2016 عقب دخول الجنود الأتراك للمدينة خلال عملية جديدة ضد داعش. كما سلّط عدد القتلى في الجانب التركي الضوء على الحسابات السياسية الداخلية حول مصير العمليات العسكرية بعد السيطرة على الباب، ما أثار مخاوف الرأي العام بشأن طول مدة تلك العمليات.

المشاركة التركية في القتال إلى الرقة

المصدر: مركز دلما، 2017

وقد وضعت البلاد مخططات لإعادة الإعمار بعد نهاية الصراع في المناطق التي لم يعد لتنظيم «داعش» وجود فيها، خاصة منطقة جرابلس حيث تم تدريب رجال الشرطة المحليين من قبل نظرائهم الأتراك. وتستمر الاستراتيجية التركية الكبرى المتمثلة في الحيلولة دون توحيد المناطق التي يسيطر عليها الأكراد في شمال سوريا، في الوقت الذي يُحوِّل فيه قادة البلاد أنظارهم تجاه منبج حيث أن المفاوضات بين الحكومة السورية ومجلس محلي يقوده الأكراد بدعم أمريكي قد وضعت تركيا أمام طريق مسدود.

وخاضت تركيا محادثات مع الولايات المتحدة بشأن مساهمة محتملة في عمليات التحالف المناهض لتنظيم «داعش» في الرقة ودعتها إلى التخلي عن «قوات سوريا الديمقراطية» التي يغلب عليها الأكراد، ودعم «الجيش السوري الحر» الذي يتكون في معظمه من العرب والتركمان في المقابل. وفي ظل قيام قوات الحكومة السورية باعتراض الطريق من مدينة الباب، و التعقيد الذي يميز جبهة منبج، تعتمد طريق تركيا نحو الرقة على المسير جنوباً انطلاقاً من حدودها وعبر الأراضي التي تسيطر عليها «وحدات حماية الشعب» في تل أبيض. وفي مواجهة تحد ضخم يعتمد بشكل كبير على آليات صنع القرار الأمريكية، سيكون على تركيا تقييم حجم المخاطر في وقت يتزايد فيه الغموض السياسي.

إصلاحات أردوغان الدستورية على المحك
إن الاستفتاء الدستوري المزمع إجراؤه في 16 أبريل، والذي يمنح المواطنين الأتراك خيار إقامة نظام رئاسي، قد طغى على الساحة السياسية حيث أصبح بمثابة حملة مثيرة للانقسام من أجل الحصول على غالبية الأصوات عبر البلاد. وقد حث "حزب العدالة والتنمية" الحاكم بشدة على تطبيق التغييرات، مشيراً إلى أن الزعيم القوي الذي لا تحده أي عوائق بيروقراطية هو الوحيد الذي بإمكانه حشد الموارد للتصدي لأي تهديدات خارجية تُحيق بالسيادة التركية. ومع وجود أردوغان في الواجهة، نجحت الكتلة المصوتة بـ"نعم" في استمالة شريحة شعبية يتزايد حذرها من التدخل الغربي وخوفها من المتآمرين الداخليين.


الرئيس التركي رجب طيب أردوغان يلقي خطاباً خلال تجمع بمناسبة عيد المرأة بإسطنبول، تركيا، في 5 مارس 2017. مراد سيزر«رويترز»/«فوكل ميديا»

ورغم أن "حزب العدالة والتنمية" قد حظي بدعم "حزب الحركة القومية"، لم تكن المساومة السياسية بدون مقابل؛ فقد أدت الشراكة مع الحزب اليميني إلى انقسام داخل "حزب الحركة القومية" الذي تفرعت عنه مجموعة منشقة صغيرة لكنها ذات نفوذ لمنافسة قيادة الحزب، وهي خطوة قد تؤدي إلى تغيير أصوات المحافظين.

وكانت الكتلة المصوِّتة بـ"لا"، والمكونة من حزبي المعارضة الرئيسيين "حزب الشعب الجمهوري" و"حزب الشعوب الديمقراطي"، قد انتقدت التعديلات ووصفتها بكونها تحجب نوايا خفية، قائلة إنها ستمهد الطريق لنظام أوتوقراطي (مستبد). ومع قيام أغلب الناخبين الرافضين للتعديلات بالتصويت وفق اختيارات الأحزاب التي ينتمون لها، يقع مصير الاستفتاء على عاتق المحافظين المترددين والحراك السياسي للمواطنين الأكراد الذي لطالما كانوا الجهة المتلقية لخطابات "نحن في مواجهتهم". وبالنسبة لـ "حزب الشعوب الديمقراطي"، نتجت عن الحملة إجراءات حكومية غير مسبوقة تستهدف أعضاءً بتهم ارتباط مزعوم بـ «حزب العمال الكردستاني»: حيث تم سجن زعيمي "حزب الشعوب الديمقراطي"، وتنتظرهما إجراءات طويلة قبل إصدار الأحكام في حقهما.


"ويشكل استهداف السياسيين المنتمين لـ"حزب الشعوب الديمقراطي" جزءاً من جهود أكبر تلت محاولة الانقلاب وذلك بهدف تطهير البلاد من أشخاص يشتبه في انتمائهم لشبكات إرهابية وإجرامية."

ويشكل استهداف السياسيين المنتمين لـ"حزب الشعوب الديمقراطي" جزءاً من جهود أكبر تلت محاولة الانقلاب وذلك بهدف تطهير البلاد من أشخاص يشتبه في انتمائهم لشبكات إرهابية وإجرامية. وقد شهدت عملية "تركيا مسالمة-2" في يناير، والتي تعتبر واحدة من أكبر العمليات العسكرية منذ فرض حالة الطوارئ، قيام 9000 عنصر شرطة بتفتيش واستجواب 272 ألف شخص. وعلاوة على إعفاء الآلاف من موظفي الخدمة المدنية ورجال الشرطة من مناصبهم على خلفية مزاعم ارتباطهم بـ«حركة غولن»، استهدفت المداهمات المنسقة في مختلف أنحاء البلاد أعضاء من تنظيم «داعش» و«حزب العمال الكردستاني» أو مناصرين لهما. هذا وقد تسبب التواجد المتزايد للشرطة في المدن واستهداف الخلايا الإرهابية فيها عقب إطلاق النار في الملهى الليلي ليلة رأس السنة في إسطنبول في وضع حد لهجمات تنظيم «داعش».

وتستمر الهجمات العسكرية ضد حزب العمال الكردستاني مع استهداف الضربات الجوية لمواقع المسلحين في عمليات عبر الحدود، خاصة في جبال قنديل العراقية. وفي حين أعلن تنظيم صقور حرية كردستان مسؤوليته عن تفجير سيارة مفخخة ومحاولة إطلاق النار على مقربة من محكمة في إزمير في 5 يناير، شن حزب العمال الكردستاني هجمات مماثلة على قوات الأمن في مختلف المحافظات الجنوبية الشرقية في تركيا، خاصة في شانلي أورفة.

مزيج من القمع الاجتماعي والتراجع الاقتصادي
بالموازاة مع تأثيرها المفرط على المواطنين الأكراد-الأتراك، كان للإجراءات القانونية في فترة ما بعد الانقلاب أثر عميق على المناخ التعليمي والاجتماعي في تركيا، حيث وجد أساتذة وعمداء كليات وصحفيون أنفسهم خاضعين لقوانين الطوارئ. وقد شهد شهر فبراير إعفاء 330 أكاديمياً من مناصبهم عقب اتهامات بالارتباط بـ«حركة غولن»، كما تم احتجاز مئات من مستخدمي الانترنت بتهم نشر دعايات إرهابية، بيد أن منصات التواصل الاجتماعي، خاصة «تويتر»، تظل أدوات شائعة للتعبير السياسي بالرغم من الحظر الانتقائي للبث الذي تطبقه الدولة.

وكانت القرارات المتعلقة بالسياسات العامة بما فيها مراجعة المناهج الدراسية الوطنية ورفع الحظر على ارتداء الحجاب للعاملات بالجيش قد أبرزت مدى تشبث "حزب العدالة والتنمية" بجذوره الأيديولوجية. إلا أن ردود الفعل الداخلية تبين أن البلاد لا تزال منقسمة فيما يتعلق بالتوجهات الاجتماعية والسياسية. كما أن نقاط الخلاف الأخرى كالسياسة التركية بشأن اللاجئين وما أفادت به تقارير حول منح الجنسية للاجئين عراقيين وسوريين مختارين قد استنفدت قدرة تحمل الأوساط الداخلية التركية ومواردها، إذ ارتفع إجمالي النفقات التي رُصدت للاجئين إلى أكثر من 500 مليون دولار في الشهر الواحد.


"ويأتي هذا الضغط على الخدمات العامة في وقت تشهد فيه تركيا تراجعااقتصادياً. حيث بلغت نسبة البطالة أعلى مستوى لها منذ سنة 2009."

ويأتي هذا الضغط على الخدمات العامة في وقت تشهد فيه تركيا تراجعااقتصادياً. حيث بلغت نسبة البطالة أعلى مستوى لها منذ سنة 2009. إضافة على ذلك أن الحكومة المركزية قد سجلت في فبراير مرور ثماني سنوات على ارتفاع العجز في ميزانيتها وأن ضخ رؤوس الأموال في البلاد عانى نتيجة المخاطر السياسية المحدقة بالبلاد. وقد كان لمؤسسة «ستاندرد أند بورز» الرأي نفسه حيث قامت بتخفيض تصنيف تركيا الائتمانى من "مستقر" إلى "سلبي"، مشيرة إلى عدم قدرة صناع القرار على احتواء التضخم بعد أن ارتفع إلى 9.2% في يناير، وهو أعلى مستوى له على مدى 11 شهراً. وحذت مؤسسة «فيتش» للتصنيف الائتماني حذو منافستها إذ وصفت تقييم الدين السيادي للبلاد بـ"عالي المخاطر" في ظل قلق المستثمرين بشأن قدرة المؤسسات المالية على الاحتفاظ باستقلاليتها.

التسلسل الزمني و تقلبات الليرة التركية مقابل الدولار، يوليو 2016-مارس 2017

المصدر: مركز دلما، 2017


وانتقد أردوغان بشدة سياسات البنك المركزي المتعلقة بسعر فائدة الإقراض لليلة واحدة، والتي تشجع الإبقاء على سعر واحد لتحفيز الاستهلاك والحفاظ على قروض رخيصة. وقد وضع البنك المركزي قواعد السيولة لدعم الليرة التي استقرت عند مستوى 3.6 بعد أن انخفضت إلى مستوى تاريخي بلغ 3.9 مقابل الدولار. إلا أن المستثمرين لا يزالون يحتاطون من الانقسامات القائمة بين صناع السياسات النقدية في تركيا. ورغم ركود النمو وعجز الحساب الجاري المزمن، حولت الحكومة أصولاً عامة تقدر بمليارات الدولارات إلى صندوق ثروة سيادية تم استحداثه العام الماضي لتمويل مشاريع بنية تحتية كبرى. وقد تم استعمال هذه الأصول كضمانات إضافية لاستقطاب الاستثمارات الأجنبية، في خطوة يرى بعض المحللين أنها محاولة لتجاوز القنوات التنظيمية وتأكيد السيطرة السياسية على كبريات شركات الدولة.

اليمن

بين الجمود السياسي والتقدم العسكري

يواصل اليمنيون تحمل العبء الأكبر للقتال في ظل غياب أي إشارة لتهدئة الصراع. ومع فشل المحاولات الدبلوماسية التي تقودها الأمم المتحدة في تمهيد الطريق لبدء جولة جديدة من محادثات السلام، لم يطرأ أي تغيير يذكر على الوضع العسكري، باستثناء التقدم الذي أحرزته القوات المدعومة من قبل التحالف على ساحل البحر الأحمر.

اليمن: هدف مبكر لترامب
لقد شهد هذا الربع من العام مزيداً من التدخل الأمريكي في اليمن، حيث شنت الولايات المتحدة أكبر حملاتها الجوية حتى الآن، فضلاً عن هجوم بري مثير للجدل في قرية يكلا بمحافظة البيضاء.

وفي أقل من أسبوع، شنت الولايات المتحدة أكثر من 40 غارة جوية على جيوب يشتبه في أنها تابعة لتنظيم «القاعدة في جزيرة العرب» في أبين والبيضاء وشبوة، متجاوزة رقمها السابق المتمثل في 41 غارة شنتها على مدى العام 2012. وتمثل عمليات مكافحة الإرهاب غير المسبوقة في المحافظات الثلاث و وصفها على أنها "مناطق عدائية نشطة" انعطافاً في السياسة الأمريكية الخاصة باليمن.

شلل سياسي
رغم الجهود التي يبذلها المبعوث الأممي الخاص إلى اليمن إسماعيل ولد الشيخ أحمد وفريقه، لا تزال حالة الركود تسيطر على محادثات السلام بين حكومة البلاد المعترف بها دولياً وحلف الحوثي-صالح. ولم تسفر الجولات الدبلوماسية المكوكية لوزير الخارجية الأمريكي السابق جون كيري الساعية لبدء المفاوضات عن أي نتيجة، كما لا يزال يتعين على إدارة ترامب صياغة سياسة بشأن اليمن، الأمر الذي ساهم فعلياً في تعليق العملية السلمية. ومن جهتها، لم تحرك الفصائل اليمنية المعنية المتعددة ساكناً، حيث تستمر الحكومة في التشبث بشدة بالاعتراف الدولي بها، فيما يرفض الحوثيون وحلفاؤهم، الواثقون من قدرتهم على استمرارهم في بسط سيطرتهم على المناطق الرئيسية، إمكانية تحكم الحكومة في المليشيات الحليفة على الأرض. من جانبه، حرص الأمين العام للأمم المتحدة الحالي أنطونيو غوتيريس، على زيادة التركيز على مسألة اليمن، غير أنه من غير الواضح ما إذا كان هذا الأمر سيتجسد فعلياً.

مقاتل حوثي يقوم بالحراسة من على سطح مبنى يطل على تجمع أشخاص موالين للحوثيين في صنعاء، اليمن، 3 مارس 2017. خالد عبد الله/«رويترز»/«فوكل ميديا»

هجوم البحر الأحمر
يعتبر التقدم المحقق على ساحل البحر الأحمر الاستثناء الوحيد في اليمن. فمنذ يناير 2017، حققت القوات المدعومة من قبل التحالف مكاسب مهمة في المناطق الساحلية بتعز. وقد نجح الهجوم، الذي شنه بالأساس مقاتلون ينتسبون لحركة "المقاومة الجنوبية" المنضوية تحت مظلة جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية، أو اليمن الجنوبي والذي لم يكن يضم تعز في شق طريق شمالاً نحو أهم ميناء في مدينة المخا. غير أن هدفها المتمثل في الوصول إلى محافظة الحديدة، وهي أهم ميناء خاضع لسيطرة الحوثيين، يبقى بعيد المنال. وقد ردت القوات الموالية للحوثيين على هذا التقدم المحقق في غربي تعز إطلاق صواريخ وقذائف تجاه المخا، كما يُزعم أنها زرعت ألغاماً بحرية قبالة الساحل. كما قام مهاجمون مجهولون بالاعتداء على سفينة حربية سعودية في 31 يناير.

وفي غيرها من الجبهات المتنازع عليها كتعز وغرب مأرب، عرف الاقتتال حالة جمود كبيرة. وفي الوقت الذي زعم فيه الطرفان في أكثر من مناسبة تحقيقهما لانتصارات، فإن هذه الحرب تشبه إلى حد كبير حرب استنزاف. في المقابل، تستمر التوترات الداخلية في التصاعد.

عملية الرمح الذهبي في البحر الاحمر اليمني

المصدر: مركز دلما، 2017

التوترات الداخلية في تعز وعدن
خلال الربع الأول من 2017، وفي حادثين منفصلين، بلغت التوترات المحتدمة منذ فترة طويلة بين العناصر اليمنية التابعة للتحالفات المناهضة للحوثيين في تعز وعدن ذروتها. ففي تعز، أدى التوتر بين أعضاء "التجمع اليمني للإصلاح" والسلفيين إلى ارتفاع عدد الاغتيالات المتبادلة والهجمات الفاشلة. وبالموازاة مع ذلك، يعاني سكان تعز باختلاف أطيافهم من ارتفاع عدد المجموعات الإجرامية التي تنشط في المدينة.


"أما في عدن، فقد ازدادت التوترات بين المقاتلين الانفصاليين وحلفاء الرئيس عبد ربه منصور هادي، وأدى تبادل لإطلاق النار إلى إغلاق مطار المدينة وهدد بالانتقال إلى مناطق أخرى من المدينة."

أما في عدن، فقد ازدادت التوترات بين المقاتلين الانفصاليين وحلفاء الرئيس عبد ربه منصور هادي، وأدى تبادل لإطلاق النار إلى إغلاق مطار المدينة وهدد بالانتقال إلى مناطق أخرى من المدينة. وبالرغم من أن هذه الصراعات يتم احتواؤها عادة عبر وساطة خليجية أو حكومية، فإنها قد تتحول إلى معارك كبرى في ظل الحرب الأهلية الدائرة في البلاد. وتأتي هذه الصراعات لتضاف إلى المعارك ضد تنظيم «القاعدة في جزيرة العرب» وغيرها من الجماعات الجهادية التي تملك مجالاً عملياتياً كافياً لشن هجمات على كل من الحوثيين والقوات المدعومة من قبل التحالف. وفي نفس الوقت، تستمر التوترات داخل حلف الحوثي-صالح في الظهور على السطح إذ إن الطرفين لا يزالان على خلاف بشأن من سيحل محل رئيس الحرس الجمهوري علي الجائفي الذي قُتل في غارة جوية في أكتوبر.

اقتصاد يحتضر وكارثة إنسانية
بعد سنتين ونصف من سيطرة الحوثيين على صنعاء وسنتين من إطلاق عملية «عاصفة الحزم»وصل الاقتصاد اليمني الضعيف أصلاً إلى حافة الانهيار. وتفيد بيانات البنك الدولي بأن معدل نمو الناتج المحلي الإجمالي بلغ 28.1ـ-%، وبلغت البطالة أعلى مستوى لها، كما تكاد تتوقف الصادرات والواردات، فيما لاذت غالبية أفراد الطبقات المثقفة بما فيها نخبة التجار بالفرار. كل هذه العوامل زادت من حدة الصراع القائم الذي دمر معظم البنيات التحتية الصحية والكهربائية وتلك الخاصة بالنقل.

إضافة إلى ذلك، تتردد شركات الشحن في التعاون مع التجار اليمنيين: حيث يتم قصف الرافعات في ميناء الحديدة، وتفتيش الشحنات بشكل مكثف خشية وجود أسلحة، علاوة على أن أقساط التأمين قد ارتفعت والثقة في القطاع المالي قد انعدمت، وهو شعور حفزه إلى حد ما نقل مقر البنك المركزي من صنعاء إلى عدن، والذي كان مثار جدل كبير.

وتعطّلت الموانئ الرئيسية بسبب احتدام القتال على الساحل، ما زاد من سوء الوضع الإنساني، ويعود ذلك إلى اعتماد البلاد على الواردات الغذائية والنفطية. فقد كاد تسليم السلع الاستهلاكية الأساسية كالقمح والأرز أن يتوقف تماماً، ما تسبب في التضخم الذي أدى إلى تفاقم أزمة الغذاء المستشرية أصلاً.

حالة الطوارئ الإنسانية في اليمن

المصدر : برنامج الغذاء العالمي، 2017

ولعل الأرقام تغني عن أي توضيح: فقرابة 2.2 مليون طفل يمني يعانون من سوء التغذية الحاد، في حين يعاني 462 ألفاً مما هو أشد من ذلك . كما أن قرابة 19 مليون شخص ما يناهز 70% من الشعب اليمني هم في حاجة ماسة للمساعدات الإنسانية. ويحذر عمال الإغاثة من أن الوضع لا يبعث على التفاؤل، وأنه لا مفر من الوقوع في براثن المجاعة في ظل غياب حل سياسي قابل للتطبيق وانعدام المساعدات الإنسانية.

يتطرق هذا الجزء إلى العقوبات الدولية المتبقية المفروضة على إيران ومكامن الضعف الهيكلية داخل البيت الإيراني التي قد تكون مسؤولة عن بطء عائدات الاستثمارات الأجنبية. وفي مبحث "معضلة جلية دون حلول فعلية"، سنسلط الضوء على ضرورة تخصيص صناع القرار الإقليميين للمزيد من الجهد والمتابعة والاستثمار فيما يتعلق بالأمن الإلكتروني (السيبراني) في دول مجلس التعاون الخليجي.

إيران ورفع العقوبات الدولية

مكامن الضعف الهيكلية تزيد من تردد المستثمرين

في 4 فبراير 2017، قامت إيران بتمديد الأجل المحدد لتقديم عروض متعلقة بمجموعة من مشروعات تحديث وتطوير قطاع النفط والغاز بالبلاد. وقد علل رئيس «شركة النفط الوطنية الإيرانية» علي كاردور هذا القرار بقوله إن بعض الطلبات التي تم التوصل بها لم تتوفر على تفاصيل كافية. ولاحقاً، عقب الكشف عن أن السبب الحقيقي وراء تمديد الأجل كان بسبب رغبة إيران في "وجود المزيد من الشركات على اللائحة"، حث كاردور شركة النفط البريطانية " بي بي" على الانضمام للشركات الأخرى التي تقدمت للمنافسة.
ويسلط هذا التمديد الضوء على جهود إيران الحثيثة لجذب الاستثمارات الأجنبية، رغم اتفاق "مجموعة 5+1 النووي" ورفع العقوبات الدولية الذي تلاه قبل أكثر من سنة. ولا يشكل تعقيد الأمر والتعتيم المحيط به وهيمنة عقوبات معينة سوى أسباب جزئية لتردد المستثمرين.

وفي واقع الحال، قد يكمن بطء الانتعاش الاقتصادي لإيران وراء مواطن الضعف الهيكلية الداخلية.

مبعوثون من بينهم وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف يقفون من أجل التقاط صورة عقب توقيع "خطة العمل الشاملة المشتركة" في مقر الأمم المتحدة بفيينا يوم 14 يوليو 2015. وكالة «رويترز»/«فوكل ميديا»

الاتفاق النووي: "بداية من أجل عالم أكثر أمناً"
لقد تمت صياغة الاتفاق النووي لـ ”مجموعة 5+1" (المعروف أيضاً باسم "خطة العمل الشاملة المشتركة") لمنع إيران من تطوير سلاح نووي وطمأنة المجتمع الدولي حول الطبيعة السلمية للبرنامج النووي الإيراني. وقد شكل الاتفاق بالنسبة للكثيرين، من بينهم وزير الخارجية الأمريكي السابق جون كيري، بداية من أجل عالم أكثر أمناً.

وفي 16 يناير 2016، عقب التفاهم على أن إيران قد استوفت بالفعل الشروط المطلوبة منها ضمن الاتفاق، تم تطبيق "خطة العمل الشاملة المشتركة" التي أدت إلى رفع العقوبات الدولية وتمكين طهران من الوصول إلى ما يقدر بـ 50 مليار دولار من الأصول التي كانت مجمدة في السابق.


"لقد بعث تفعيل "خطة العمل الشاملة المشتركة" الأمل لدى إيران ومجتمع الأعمال الدولي في أن يلوح انتعاش اقتصادي سريع في الأفق."

لقد بعث تفعيل "خطة العمل الشاملة المشتركة" الأمل لدى إيران ومجتمع الأعمال الدولي في أن يلوح انتعاش اقتصادي سريع في الأفق. وقد تجاوز هذا الاتفاق التصدعات الإيرانية التقليدية، كما أن العديد من المتشددين، من رجال الدين وأعضاء الحرس الثوري الإيراني، قد أبدوا دعمهم له. غير أن التغطية الإعلامية المكثفة فشلت في تسليط الضوء على نقطة مهمة، ألا وهي أن رفع العقوبات لم يكن سوى رفعا جزئياً.

عقوبات قائمة ومستمرة
أدانت الأمم المتحدة دور إيران في انتشار أسلحة تقليدية في منطقة غرب آسيا وشمال إفريقيا، لا سيما فيما يتعلق بإمدادها لـ«حزب الله» بالعتاد. كما أنها تمنع إيران من استيراد المعدات العسكرية الهجومية بما فيها الأسلحة والذخائر والمركبات والعتاد وقطع الغيار. في المقابل، تم السماح لإيران باقتناء أسلحة دفاعية، ما يفسر شراءها مؤخراً لمنصات مضادة للصواريخ من نوع «إس-300» أرض-جو الروسية. كما تمنع الأمم المتحدة تصدير أي تكنولوجيا أو معدات خاصة ببرنامج الصواريخ الإيراني.

وسيتم رفع هذه العقوبات تدريجياً إذا واصلت إيران الوفاء بالتزاماتها. وستعرف المرحلة القادمة من "خطة العمل الشاملة المشتركة" رفع الحصار الدولي على الأسلحة التقليدية بحلول سنة 2020. وسيلي ذلك "يوم الانتقال" سنة 2023 والذي سيتم فيه رفع العقوبات المتعلقة ببرنامج الصواريخ الباليستية الإيراني، فضلا عن "يوم الانتهاء" في سنة 2025 حيث سيتم إلغاء الإجراءات المتبقية المتعلقة بالأفراد بمن فيهم أعضاء الحرس الثوري الإيراني.

الإطار الزمني: اتفاق إيران النووي، 2015-40

المصدر: «وكالة فرانس برس»، موقع«شانيل نيوز آسيا»، 16 يناير 2016

العقوبات الخارجية

إلى ذلك، يواصل المجتمع الدولي فرض عقوبات لا يشملها اتفاق «مجموعة 5+1»:

  • إن الاتحاد الأوروبي، الذي ينتقد سجل حقوق الإنسان الإيراني والمعاملة التي تتلقاها المعارضة السياسية والإفراط في اللجوء إلى عقوبة الإعدام - إذ بلغ عدد حالات الإعدام سنة 2015 ألف حالة- قد فرض عقوبات على إيران بسبب "انتهاكاتها الخطيرة لحقوق الإنسان". وقد جمد الاتحاد الأوروبي الأصول الأجنبية ومنع مؤسسة واحدة و82 مواطنا إيرانياً من الدخول إلى دُولِه الأعضاء. كما منع تصدير معدات قد تستخدم لقمع الشعب الإيراني ومراقبة الاتصالات إلى إيران. وحتى بعد توقيع اتفاق «مجموعة 5+1» في 2016، أكد الاتحاد الأوروبي على استمراره في فرض عقوباته الخاصة.
  • تستمر كل من الولايات المتحدة والإتحاد الأوروبي في فرض عقوبات على عدد من الشخصيات والمؤسسات الإيرانية لتورطها في أنشطة إرهابية، رغم إنكار إيران لذلك. ويرجع موقف الولايات المتحدة المناهض لإيران إلى سنوات خلت، حين صنفت البلاد على أنها دولة داعمة للإرهاب في سنة 1984. كما أخضعت الولايات المتحدة إيران لعقوبات تجارية ومالية شاملة بموجب قانون الصلاحيات الاقتصادية في حالات الطوارئ الدولية.

ورغم طابعها الرمزي، فإن هذه العقوبات، خاصة تلك المتعلقة بانتهاكات حقوق الإنسان، لم تعق نسج علاقات تجارية مع إيران. فالأسباب وراء عدم تدفق الاستثمارات الأجنبية المباشرة على البلاد تكمن وراء مواطن الضعف الهيكلية الداخلية والعوامل الخارجية.

مكامن الضعف الهيكلية داخل البيت الإيراني

  • إن الخطاب الثوري الإيراني، والتوترات الإقليمية القائمة مع بعض الدول الخليجية، والدعوات المتكرّرة لتدمير إسرائيل، كلها عوامل خلقت بيئة غير مقبولة لدى الشركات الراغبة في الاستثمار.
  • تعي الشركات كذلك العواقب غير المرغوب فيها الناتجة عن ربط علاقة مع المتشددين الإيرانيين. فسيكون من الصعب في إيران العمل بقاعدتي 'اعرف عميلك' واتخاذ الحيطة الواجبة، وهما القاعدتان الضروريتان للتخفيف من الحرج الناجم عن هذه العلاقة، وذلك بسبب مستوى التعتيم العالي في البلاد.
  • يقترن التعتيم بنظام البيروقراطية الذي تكون فيه الحكومة المركزية حاضرة بقوة وتملك سلطة مطلقة. ويعيق التنظيم المتشدد تسهيل الأعمال التجارية ويغذي في الوقت نفسه الاحتيال والفساد ما يفسر إلى حد ما حصول إيران على الرتبة 130 من أصل 168 دولة في "مؤشر مدركات الفساد" التابع لـ«منظمة الشفافية الدولية» لسنة 2015.

عوامل خارجية أخرى

  • فاقم الخوف من فرض عقوبات جديدة ومن مراجعة إدارة ترامب لاتفاق مجموعة 5+1الغموض الذي يخيم على البلاد، ما منع الشركات من تطوير استراتيجية طويلة الأمد خاصة بإيران.
  • تنهج الشركات الشركات سياسة "التريث والترقب" وتقوم بتأجيل الاستثمارات الطويلة الأمد في إيران، معلّلة ترددها بالمخاطر المحتملة المتعلقة بالانتخابات التي جرت في الولايات المتحدة مؤخراً والاستحقاقات الانتخابية القادمة في إيران.
  • تعتبر إيران قواعد وزارة الخزانة الأمريكية التي تقيد العقود المقومة بالدولار على أنها عقوبات دولية فعلية. وبالرغم من القرار الأخير القاضي بتخفيف هذه القيود، تستمر إيران في تشجيع العقود المقومة باليورو أو بالريال الإيراني لتسهيل اعتمادها وتحصينها ضد أية عقوبات جديدة محتملة.
  • يمكن تفسير الانتعاش الإيراني البطيء بأسعار النفط المنخفضة وما نتج عنها من ركود في الاقتصاد العالمي الذي يستمر في الإلقاء بثقله على القدرات الاستثمارية للشركات.

لكن تمديد إيران للموعد النهائي لتسلم العروض الخاصة بمشاريع النفط والغاز، لا ينفي حقيقة تسلمها طلبات ترشيح من الشركتين الروسيتين «غازبروم» و «لوك أويل» وشركة «توتال» الفرنسية وشركة «رويال داتش شل» البريطانية-الهولندية العملاقة، وشركة «إيني» الإيطالية وشركة «سينوبك» الصينية و«المؤسسة الوطنية الصينية للنفط» وشركة «ميتسوبيشي» اليابانية و«الشركة اليابانية للتنقيب على النفط».

وفي 2016، قادت إيران حملة اغراءات لتسجل عودتها إلى الساحة الدولية. فقد عاودت البنوك الإيرانية ربط الاتصال مع النظام المركزي العالمي لتنفيذ الحوالات المالية المتبادلة بين البنوك العالمية إلكترونياً (نظام "سويفت" المصرفي) ووقعت البلاد عقوداً رمزية تضمنت شراء حوالي 200 طائرة تجارية من شركة «إيرباص» و«بوينغ» و«إي تي آر»، وبناء معامل مع مصنعي سيارات أوروبيين أمثال شركة «رونو» وشركة «بوجو-ستروين» و«فولزفاغن».

الاستثمار الأجنبي المباشر في إيران، بين 1970 و2017 (مليار دولار)

المصدر: سايت سيليكشن، 2016

يلاحظ أن الانتعاش الإيراني كان أبطأ مما كان متوقعاً، لكن مع فتح السوق الإيرانية الآن، يضغط المواطنون الذين يبلغ عددهم 80 مليون نسمة على الحكومة لتعزيز علاقات إيران الدولية: ففي حين لم يدعم السياسيون في الولايات المتحدة الاتفاق النووي، فإنهم استكانوا لحقيقة أنه من المرجح أن يظل قائماً. وقد صرح المتحدث باسم مجلس النواب بول رايان في مقابلة له مؤخراً: "أعتقد أنه خطأ جسيم، لكن العقوبات المتعددة الأطراف قد انتهت. لقد تم قطع أشواط كبيرة ولا مجال للعودة".

الأمن الإلكتروني (السيبراني) ودول مجلس التعاون الخليجي

الوقاية من الأسلحة غير التماثلية ومجهولة المصدر

في 23 يناير، أعلنت المملكة العربية السعودية حالة الطوارئ بعدما عاد فيروس «شامون» للظهور، مستهدفاً هذه المرة شبكات ما لا يقل عن 22 شركة. هذه العودة الناجحة لفيروس «شامون»، والذي يعتقد أنه من صنع جهة متخصصة في المجال السيبراني تحظى بدعم الحكومة الإيرانية، بعد حوالي خمس سنوات من استخدامه لمهاجمة شركة «أرامكو» السعودية وشركة «راس غاز» القطرية، تعيد إلى الأذهان مدى سهولة تعرض منطقة غرب آسيا وشمال إفريقيا للهجمات السيبرانية.

وفي ظل التوتر القائم بين السعودية وإيران، تأتي هذه الهجمات لتبرز تصاعد النشاط السيبراني الذي ترعاه إيران، وغياب آليات ناجعة للدفاع السيبراني أو استراتيجية للرد من قبل دول مجلس التعاون الخليجي. ففي الوقت الذي تواصل فيه دول المجلس التركيز على التهديدات الإيرانية التقليدية، مثل الصواريخ الباليستية، تطورت التهديدات السيبرانية بشكل أسرع من أي تهديدات أخرى. ومن هذا المنطلق، فإن تخصيص المراقبة والاستثمار والقدرات الضرورية للتصدي للتهديدات السيبرانية الإيرانية بات بمثابة معضلة حقيقية تفتقر إلى حلول فعلية.

الإطار الزمني للهجمات التي تعرضت لها أهداف معروفة في دول مجلس التعاون الخليجي

المصدر: مركز دلما، 2017

رهان الأمن السيبراني
إن الأمن السيبراني في جوهره هو عملية حماية الشبكات والنظم الحاسوبية من الهجمات السيبرانية، وهي عملية معقدة نظراً لأن الإنترنت غير آمن أساساً. علاوة على ذلك، فإن التحديات الأخرى التي تواجه الحماية من تلك الهجمات والرد عليها تنبع من الطبيعة غير التقليدية وغير الملموسة والسرية لهذا المجال.

وتعيق هذه التحديات قدرة الأجهزة المتخصصة على الحد من وطأة الهجمات السيبرانية. فعلى عكس المجالات التقليدية (الأرض والبحر والجو والفضاء) حيث يكون أثر الهجمات الحركية ملموساً، من خلال مقارنة القوة العسكرية لدولة ما بقوة دولة أخرى على سبيل المثال، أو من خلال تحليل حمولة نوع خاص من الأسلحة، تكون الانعكاسات المحتملة لهجوم سيبراني واسعة النطاق. إضافة إلى ذلك، تواجه الدول تهديدات من عدد كبير من الجهات، نظراً لأن العوائق التقليدية من قبيل الموقع الجغرافي والقوة العاملة والموارد المالية لا تؤثر بشكل كبير في الفضاء السيبراني.


"يصعب على صناع السياسات تحديد نطاق الأحداث السيبرانية، كما يواجهون تحدياً يبدو مستعصياً عند التخطيط لهذه الأحداث وتخصيص ميزانية لها."

وكنتيجة لذلك، يصعب على صناع السياسات تحديد نطاق الأحداث السيبرانية، كما يواجهون تحدياً يبدو مستعصياً عند التخطيط لهذه الأحداث وتخصيص ميزانية لها. وإذا كان المجتمع الدولي قد تنبه لخطورة الأسلحة النووية فور تفجيري هيروشيما وناغازاكي سنة 1945، فإنه ما من سابقة مماثلة في المجال السيبراني.

علاوة على ذلك، فإن جهود الرد على هذا النوع من الهجمات والتخفيف من حدتها تواجه عائقاً يتمثل في غطاء السرية والأمن الذي يوفره الإنترنت، والذي يسمح لمرتكبي هذه الهجمات بالاختباء وتزوير هوياتهم. وحتى إذا تمكنت الحكومات من تقديم أدلة تقنية تدين مرتكبي الهجمات السيبرانية، فإن الدول المتهَمة تحافظ مع ذلك على درجة عالية من قدرة الإنكار، وذلك راجع جزئياً إلى عدم فهم الفضاء السيبراني جيداً، وإلى غياب سوابق في التعامل مع هذا النوع من الهجمات. فعلى سبيل المثال، تواصل الحكومة الروسية إنكار مزاعم نظيرتها الأمريكية بشأن تدخلها في انتخابات 2016 الرئاسية في الولايات المتحدة.

وتخلق هذه التحديات بيئة تغيب فيها آليات ردع المهاجمين المحتملين، ما يشجع الجهات الحكومية وغير الحكومية على مهاجمة خصومها دون أن تخشى رد الجهة المستهدفة أو محكمة الرأي العام الدولية. لذلك تمثل الهجمات السيبرانية بالنسبة للجهات ذات النوايا الخبيثة وسيلة محفزة لإحداث أضرار مهمة بتكلفة ومخاطر منخفضة.

الجذور الإقليمية
إن اكتشاف فيروس «ستوكسنت» سنة 2010، وهو عبارة عن دودة خبيثة استهدفت أجهزة التحكم المنطقي القابلة للبرمجة في منشآت إيرانية للتخصيب النووي، قد تسبب دون شك في أضرار شبيهة بما كان سيتسبب به هجوم حركي على هذه المنشآت. وبعد ذلك بسنتين، قامت مجموعة مخترقين إيرانيين (من شبه المؤكد أنهم مدعومون حكومياً) تطلق على نفسها اسم "سيف العدالة القاطع" بمهاجمة شركة «أرامكو» السعودية باستخدام فيروس «شامون». هذا الهجوم ذو الخلفية السياسية دمر 35 ألف حاسوب تابع للشركة وأوقف عملياتها لأسبوع كامل. كما تعرضت شركة «راس غاز» القطرية، وهي إحدى أكبر الشركات المنتجة للغاز الطبيعي المسال، لهجوم مماثل. وبعد الحادثين، أدرك صناع السياسات حول العالم أن مجرد اختلال جزئي في عمل منشآت الإنتاج قد تكون له تداعيات واسعة على إمدادات النفط وأسعاره وعلى الاقتصاد العالمي برمته.

أما إقليمياً، فقد أثارت هجمات «شامون» في 2012 المخاوف بشأن قدرات إيران السيبرانية لأول مرة.


"غالباً ما يتم الحديث عن التهديدات الحركية لإيران وتناسي قدراتها السيبرانية."

إيران: معضلة في المنطقة
غالباً ما يتم الحديث عن التهديدات الحركية لإيران وتناسي قدراتها السيبرانية. هذا التركيز يمكن تفسيره بعدد من العوامل، أولها أنه بالرغم من تطور إمكانياتها، لم تقترب إيران حتى الآن من مستوى القوى السيبرانية الكبرى مثل الولايات المتحدة وروسيا والصين، كما أنها تفتقر إلى منافسين أنداد لها، ما يعني أن أنشطتها عادة ما تفشل في جذب الاهتمام الدولي الكافي. أما العامل الثاني، وهو الأهم، فيتمثل في سهولة التركيز على نقاط البيانات الملموسة والقابلة للقياس مثل مدى الصواريخ الباليستية التابعة لدولة ما أو عدد الدبابات التي تمتلكها. على عكس ذلك، فإن القوة السيبرانية غير مرئية وغير قابلة للقياس، ونتيجة لذلك، فإن قياس العتاد لا يعتد به للحكم على القدرات السيبرانية.

وقد تفوقت إيران بشكل واضح على الدول الخليجية فيما يتعلق بالقوة السيبرانية، مستخدمة بكل حرية قدراتها لمراقبة المعارضة الداخلية ومهاجمة الخصوم الخارجيين. وتملك البلاد شبكة قوية من الجامعات التقنية حيث يتم استقطاب مطوري البرمجيات والمخترقين من قبل الحكومة بغض النظر عن آرائهم السياسية.


بنية قدرات إيران المعروفة

المصدر: مركز دلما، 2017

منذ هجمات فيروس «شامون» في 2012، واصل القراصنة الإيرانيون تطوير قدراتهم التقنية والإجراءات العملياتية التي يتبعونها، محطمين أنماط النشاط بشكل دوري، بل تجاوزوا ذلك أحياناً إلى حد الإيقاف المؤقت للعمليات في حال اكتشاف شركات الأمن لمخططاتهم. وقد تبنت العديد من المجموعات الإيرانية التي تدعمها الدولة هذه الاستراتيجية التي تتحدى جهود التعقب المستمرة لشركات الأمن وتزيد من تعقيد المساعي لاكتساب فهم أفضل لتكتيكات الفاعلين السيبرانيين والتقنيات والإجراءات التي يتبعونها.


"وقد نجحت إيران في تحقيق نمو مهم في قوتها السيبرانية بالرغم من العقوبات الدولية التي حرمت البلاد لسنوات من الوصول لأحدث الموارد التكنولوجية والتعليمية."

وقد نجحت إيران في تحقيق نمو مهم في قوتها السيبرانية بالرغم من العقوبات الدولية التي حرمت البلاد لسنوات من الوصول لأحدث الموارد التكنولوجية والتعليمية. أما اليوم، وبعد رفع العديد من تلك العقوبات، أصبحت إيران قادرة بشكل متزايد على حيازة معدات متطورة لتكنولوجيا المعلومات والاتصالات وتعزيز مواردها في الرأسمال البشري، ونتيجة لهذا، يرجح أن تستمر قدرات الهجوم السيبراني للبلاد في النمو. وفي حال ما استمرت الاتجاهات التي تبنتها في الماضي، لن تتردد إيران في مواصلة استعمال أدواتها كسلاح غير تقليدي تستغله لمهاجمة خصومها وإلحاق الضرر بهم وإهانتهم، من الخليج العربي إلى باقي أرجاء العالم.

الإشكاليات والتحديات التي تواجه مجلس التعاون الخليجي
يعتبر التساؤل الذي يطرح نفسه بالنسبة لدول مجلس التعاون الخليجي هو كيفية حماية الأصول الرقمية والبنية التحتية المهمة في مواجهة هجمات سيبرانية محتملة من إيران وغيرها. ورغم النمو الذي يعرفه الإنفاق على تكنولوجيا المعلومات والاتصالات والاستثمار في الأمن السيبراني، تظل دول مجلس التعاون عرضة للتهديد متعدد الأبعاد الذي تشكله الهجمات السيبرانية. وحتى يومنا هذا، يظل التركيز الأساسي لدفاعها الأولي منصباً بشكل كبير على التهديدات التقليدية، خاصة إيران وبرنامجها الخاص بالصواريخ الباليستية.

إلا أن الانشغال بهذا الأمر لا يخلو من مبررات وجيهة: فإيران تعتبر قوة عسكرية إقليمية، وقد شرعت، بعد رفع العقوبات الدولية، في عملية تحديث عسكري مهمة. إلى ذلك، فإن برنامجها الخاص بالصواريخ الباليستية متطور للغاية، وتقع دول مجلس التعاون، خاصة دولة الإمارات وقطر والبحرين، في مرمى حتى الصواريخ قصيرة المدى. لكن رغم أن التهديد حقيقي، تظل أرجحية حدوث أي هجوم ضعيفة.

في المقابل، يتم شن هجمات سيبرانية عالمية متفاوتة الخطورة بشكل منتظم، سواء من قراصنة ناشطين يشاركون في أعمال الشغب السيبرانية وصولاً إلى الهيئات المدعومة من الدولة التي تهاجم البنية التحتية المهمة والمؤسسات الحكومية. ويتراوح الضرر الذي تحدثه هذه الهجمات بين الخسائر الاقتصادية والمؤثرة على السمعة والاستيلاء على المعلومات الحساسة التي قد تسهل خلق صراعات وإحداث آثار مدمرة تشابه تلك التي يمكن تحقيقها عبر الهجمات العسكرية التقليدية.


"ويكمن التحدي الذي تواجهه المنطقة في التعامل مع التهديدات السيبرانية بنفس الأهمية التي تتعامل بها مع التهديدات التقليدية الطويلة الأمد."

ويكمن التحدي الذي تواجهه المنطقة في التعامل مع التهديدات السيبرانية بنفس الأهمية التي تتعامل بها مع التهديدات التقليدية الطويلة الأمد. ويتطلب هذا الأمر مزيداً من الإنفاق على البنية التحتية التقنية والقدرات الدفاعية بنفس السخاء الذي تنفق به دول مجلس التعاون على تكنولوجيا الدفاع الصاروخي.

لكن نظراً لتأثير الأمن السيبراني على جميع جوانب الحياة العصرية تقريباً، فإن إنفاق المال فحسب من أجل مواجهته لا يعتبر كافياً. فقد بدأت حملة فيروس «شامون» الأخيرة، كغيرها من الأغلبية الساحقة من الاختراقات العالمية التي سبقتها، برسائل إلكترونية مشبوهة، وهو تذكير مهم بالدور الذي يلعبه الخطأ البشري في تسهيل الهجمات السيبرانية، حيث لا يتطلب الأمر سوى نقرة واحدة لتهديد سلامة شبكة كاملة. لذلك، لا يمكن التقليل من أهمية الحاجة لبرامج عامة لتوعية وبرامج تعليمية بشأن الأمن السيبراني. علاوة على ذلك، يعتبر إنشاء استراتيجيات تتعلق بالقوة العاملة ضرورياً لمواجهة النقص في القوة العاملة العالمية ذات المهارات السيبرانية.

كما يمكن أن تساعد جهود مشاركة البيانات بين هيئات القطاعين العام والخاص في مكافحة الطبيعة المتطورة للتحدي السيبراني، وهو تحد يتجاوز قيام القراصنة المدعومين من الدولة بمهاجمة هيئات حكومية. وقد يساعد التعاون الإقليمي بين فرق الاستجابة للطوارئ الحاسوبية المحلية الدول على تبادل الخبرات ومشاركة السياسات وأطر العمل الفعالة: ويعتبر إنشاء فريق الاستجابة للطوارئ الحاسوبية التابع لـ"منظمة التعاون الإسلامي" مثالاً جيداً على التعاون المثمر، كما هو الحال بالنسبة "لمجموعة عمل الأمن السيبراني الخليجية الأمريكية المشتركة".

وإلى جانب الدفاع، تحتاج حكومات مجلس التعاون الخليجي إلى تطوير اجراءات استباقية، على شكل قدرات هجومية في الغالب، لمكافحة النشاط السيبراني الإجرامي والمدعوم من الدولة. ويمكن أن تحذو هذه الاجراءات حذو المخططات الفرنسية لإنشاء وحدة متخصصة في الحروب السيبرانية التي يمكن أن تساعد على تحديد نقاط الضعف في كل من الشبكات المحلية (لأغراض دفاعية) وشبكات الخصوم (لاستغلالها).

خاتمة
ستستمر التكاليف المرتبطة بالهجمات السيبرانية في الارتفاع، وقد تتسبب هجمات أكثر فعالية شبيهة بفيروسي «ستوكسنت» أو «شامون» في عواقب مالية وخيمة لأهدافها. وبعيداً عن الاقتصاد، يجعل الاستعمال المتزايد للهجمات السيبرانية كأسلحة غير تقليدية من الأمن السيبراني عنصراً مهماً في الاستقرار الإقليمي. وفي الوقت الذي تطرأ فيه تغييرات مهمة عبر المنطقة وتحظى فيه قضايا الأمن السيبراني بالاهتمام الذي تتطلبه، يجب اتخاذ المزيد من الإجراءات لتأمين الحدود الرقمية لمجلس التعاون الخليجي.

إضافة

في الأوقات التي يخيم فيها الغموض على المشهد العالمي، عادة ما تُلقي التوترات بثقلها على منطقة غرب آسيا وشمال إفريقيا باعتبار أنها لطالما لعبت دور مسرح
النزاعات السياسية الدولية. والحال أنه يمكن تحليل المناوشات المحلية من خلال عدسات إقليمية ودراسة العداوات الإقليمية من خلال تتبع مناورات القوى العالمية. وعليه، فإن النهج التحليلي الذي استخدم لتمحيص هذه الأحداث لا يقل أهمية من المعطيات نفسها.

وبالرغم من تغطية التقرير لأحداث فصلية، فإن الاتجاهات السائدة التي قمنا بتحليلها تواكب الزمن. فكيف سيؤثر تعزيز الصلاحيات الرئاسية لأردوغان على المنطقة؟ وما سيكون رد فعل نفس هذه الحكومة التركية في حال انهزامها في الاستفتاء؟ في الوقت الذي تعمل فيه روسيا من وراء الكواليس على تعزيز نفوذها، كيف سترد الإدارة الأمريكية الجديدة؟ هل ستستعرض عضلاتها أم على العكس من ذلك ستنكفئ على جبهات معينة؟ ثم ما هي الدول التي ستدافع عن نفسها بفعالية ضد الهجمات السيبرانية وما هي الدول التي ستقع فريسة لحرب مجهولة المصدر؟

إن الوضع القائم في المنطقة يطغى عليه التعقيد والتشعب بامتياز، لذا يجب دراسة الأحداث والقضايا في علاقتها مع بعضها البعض، أي مثلاً دراسة تأثير انخفاض أسعار النفط على قدرة الدول على إدامة التوترات الإقليمية، أو دراسة التأثير البعيد المدى على قطاعات التعليم والفنون والثقافة والرعاية الصحية بفعل سياسات إعادة الهيكلة الاقتصادية والتنويع، أو دراسة تأثير العمليات العسكرية المستمرة في العراق وسوريا واليمن وليبيا على الرفاه الاجتماعي والأجيال المقبلة.
إن السياسة الواقعية والنزعة البراغماتية والفوارق الدقيقة هي اليوم العناصر الغالبة في منطقة يعد فيها التغيير أصلاً هو القاعدة وليس الاستثناء.


تم اختتام البحوث الخاصة بهذا التقرير في 27 مارس 2017.