العدد الثالث

ضمن هذا العدد

في الربع الأخير من سنة 2017، واصلت الدول النفطية في غرب آسيا وشمال إفريقيا جهودها في اتجاه تنويع اقتصاداتها، بيد أن العمليات الأمنية المستمرة ما زالت تؤثر على استقرار المنطقة. في مبحث«الاتجاهات السائدة» ضمن هذا العدد، نقدم تقييماً لمآل الانتخابات في إيران والجزائر والاستفتاء في تركيا، وأثر تجديد العلاقات السعودية-الأمريكية على رؤية المملكة العربية السعودية 2030، إضافةً إلى تناول الأزمة القطرية. أما في مبحث «الدول»، فنلقي نظرة فاحصة على التطورات التي يشهدها اقتصاد كل من مصر وإيران، مع التركيز على جانبي الاستثمار والنمو؛ ثم في مبحث «الدراسات المعمقة»، نركز على نمو الصناعة الدفاعية الإماراتية والمكانة التي تحتلها الطاقة النووية في منطقة غرب آسيا وشمال إفريقيا.


الاتجاهات السائدة

شهدت منطقة غرب آسيا وشمال إفريقيا في الربع الثاني من هذه السنة انتخابات في إيران والجزائر واستفتاءً في تركيا، ساهمت جميعها في تعزيز سلطة الحكومات القائمة، لكنها ألقت الضوء كذلك على دعوات الشعوب إلى الإصلاح الاقتصادي. أما في الخليج، وبعد سنوات من الخلافات بسبب السياسات التي تنتهجها قطر إقليمياً، بلغت التوترات ذروتها حتى أفضت إلى مقاطعة اقتصادي ضد قطر بقيادة الإمارات والسعودية. هذا ويلاحَظ أن عدد المتدخلين الإقليميين والدوليين في هذه الأزمة سائرٌ في الارتفاع، بما في ذلك دول لم يسبق لها أن تدخلت في شؤون البيت الخليجي.

الدول

لقد جدد الإيرانيون ثقتهم في حسن روحاني ونزعته الإصلاحية بإعادة انتخابه رئيساً للبلاد، إلا أن قدرته على الاستجابة لتطلعاتهم الاقتصادية ما تزال موضع شك. صحيحٌ أن البلاد عرفت نمواً في قطاع الطاقة والنفط والغاز عقب الرفع الجزئي في يناير 2016 للعقوبات الدولية المفروضة على طهران بسبب برنامجها النووي، لكن التهديدات الأمنية الأخيرة من جماعات كتنظيم «داعش» قد تزيد من نفور المستثمرين الأجانب.

وفي الوقت الذي تكابد فيه مصر من أجل تحسين وضعها الاقتصادي، تستمرالمخاوف الأمنية في عرقلة الاستثمار الأجنبي والحركة السياحية في البلاد. كما أن الإصلاحات المرتبطة بمحاربة التضخم وجذب الاستثمارات الأجنبية لا تزال تحت أنظار مجلس النواب في انتظار الموافقة عليها، علماً بأن حالة عدم الاستقرار في البلاد تضع الآثار المرجوة من أي إصلاحات مستقبلية.

الدراسات المعمقة

عمدت الإمارات إلى الرفع من إنفاقها الدفاعي وركزت جهودها على تطوير صناعتها العسكرية محلياً، وهي خطوة سيكون لها وقعها على علاقات الدولة مع شركائها التقليديين في مجال الدفاع كما ستخلق فرصاً لبناء شراكات جديدة. وتشمل مجالات التعاون نقل التكنولوجيا والمشاريع التي تتوافق مع تطلعات الإمارات لكسب مكانتها كمنتج ناشئ للأسلحة.

وتتطرق سلسلة "معضلة جلية دون حلول فعلية" إلى تراجع الطاقة النووية في أوروبا وتناميها في غرب آسيا وشمال إفريقيا، مع الإشارة إلى أنه رغم وجود العديد من مشاريع الطاقة النووية القائمة في المنطقة، فإن طريقها إلى النجاح مليء بالعقبات. بالمقابل فإن تعزيز الإشراك السياسي والتعاون التقني من شأنه أن يعطي دفعة قوية للجهود الرامية إلى تطوير هذا القطاع.

بين الانتخابات والتصدعات الإقليمية ومنطق القوة في السياسة

الاستفتاء التركي: اتساع السلطات الرئاسية وتساؤلات حول الاقتراع

جاء استفتاء 16 أبريل في تركيا بمجموعة من التغييرات الدستورية التاريخية، من بينها اعتماد نظام الرئاسة التنفيذية. وقد ذهبت نسبة 51.4% من الأصوات لمصلحة هذا النظام الجديد، وهو ما اعتُبر نصراً لحزب "العدالة والتنمية" الحاكم.

بيد أن المزاعم بحدوث تلاعبات في نتائج الاقتراع، إضافةً إلى عدم تكافؤ الفرص بين الحزب الحاكم وأحزاب المعارضة خلال الحملة الانتخابية، قد ألقت بظلالها على هذا الفوز الضئيل أصلاً من الناحية العددية، حتى أن أحزاب المعارضة تعهدت بالطعن في نتائج الاستفتاء. وبينما تحاول تركيا أن تتجاوز هذا المآل غير المسبوق، تتواصل حملة اعتقالات مكثفة بتهم دعم الإرهاب مستهدفةً على وجه الخصوص المؤسسات الإعلامية العلمانية.

من جهة أخرى، شهدت المؤشرات الاقتصادية في البلاد تحسناً ملحوظاً منذ الاستفتاء، وهو ما يرجع على الأرجح إلى تنامي الإنفاق الحكومي وإلى التحفيزات المقدمة خلال فترة الحملة، إضافةً إلى الاستقرار النسبي الذي شهدته تركيا بعد الاستفتاء. غير أن استمرار حالة الطوارئ في البلاد يسبب قلق للشركات التركية التي تعاني من عجز كبير في احتياطاتها من العملات الأجنبية.

الانتخابات الجزائرية: يبقى الحال كما هو عليه
جاءت نتائج الانتخابات التشريعية التي شهدتها الجزائر في 4 مايو بديهية لا تحتاج لتفسير: فقد استحوذت "جبهة التحرير الوطني" على معظم الأصوات في ظل نسبة مشاركة ضئيلة (35%)، حيث تراجعت بـ5% مقارنة بسنة 2012. هذا ويواصل الائتلاف الحاكم والمؤلف من "جبهة التحرير الوطني" و"التجمع الوطني الديمقراطي" هيمنته على البرلمان الجزائري، في وقت تظل فيه المعارضة مكونة من خليط من حركات سياسية واجتماعية منقسمة.

وفي الوقت الذي تواصل فيه النخبة السياسية والاقتصادية تحكمها في المؤسسات الوطنية، مكنت الانتخابات من تسليط الضوء على أشكال جديدة من المشاركة الاجتماعية، حيث لجأ المجتمع المدني والشباب إلى وسائل التواصل الاجتماعي والدعابة والفن للتعبير عن رؤاهم وعن استيائهم من واقعهم اليومي.

الرئيس روحاني: الهرم الإيراني
استغلت الأحزاب السياسية في إيران وسائل التواصل الاجتماعي لحشد الأصوات وإشراك المترددين. وفي نهاية المطاف، تمت إعادة انتخاب الرئيس حسن روحاني لولاية ثانية، الأمر الذي لقي ترحيب لدى الكثيرين والذين عبروا عن ارتياحهم لنتائج الانتخابات. فبحصوله على نسبة 57% من الأصوات، أي ما بلغ مجموعه 23 مليون صوتاً، تمكن روحاني من تحقيق فوز لا يقبل الجدل على أقرب منافسيه، رجل الدين المتشدد والبالغ من العمر 56 سنة، إبراهيم رئيسي الذي حصل على 38.5% من الأصوات.

ويعكس حجم المشاركة الكبير الذي ناهز 70%، حسب البيانات الرسمية، الطبيعة المعقدة لما يمكن تسميته بـ"الديمقراطية غير الديمقراطية" في إيران، إذ قضى أفواج الناخبين ساعات طوال أمام مراكز الاقتراع للإدلاء بأصواتهم. وتجدر الإشارة إلى أن الانتخابات كانت بمثابة استفتاء حول سياسات روحاني. فمن خلال أصواتهم، عبَّر الإيرانيون بوضوح عن شعورهم إزاء الاتفاق النووي مع "مجموعة 5+1" وما يحمله في ثناياه: هو فرصة لإعادة إشراك إيران في المجتمع الدولي وتحسين مستقبل البلاد وشعبها.


"ففي إيران، لا يتمتع الرئيس بقدر كبير من السلطة، فهو جزء من نظام معقد تتوزع فيه السلطة بين المؤسسة الدينية والحرس الثوري الإيراني وطبقة التجار والمرشد الأعلى."


لكن وبالرغم من أن ولاية روحاني الثانية تُعبد الطريق أمام المزيد من التغيير في إيران، فإنه لن يكون في مقدوره إطلاق مسلسل الإصلاحات الاجتماعية التي لطالما انتظرها أنصاره. ففي إيران، لا يتمتع الرئيس بقدر كبير من السلطة، فهو جزء من نظام معقد تتوزع فيه السلطة بين المؤسسة الدينية والحرس الثوري الإيراني وطبقة التجار والمرشد الأعلى.

ومع ذلك، فإن أمام روحاني حتى سنة 2021 لتثبيت قدمي إيران في المجتمع الدولي. فحتى إذا اتخذ الرئيس الأمريكي دونالد ترامب موقفاً أكثر صرامة من سابقه بشأن إيران، فإن الاتفاق النووي يظل قائماً كما أن العقوبات الجديدة التي فرضها الرئيس ترامب على ثلة من المواطنين والهيئات الإيرانية لن تغير الاتجاه العام الذي يسير فيه مجرى الأحداث.

غير أن ما هو أكثر أهمية بالنسبة لمستقبل إيران يكمن في أن حجم الانتصار الذي حققه روحاني يجعله هرماً سياسياً. ذلك أن ولايته الرئاسية الثانية، ومعها قدرته المعهودة على التعاطي مع توقعات الإيرانيين دون خلخلة التوازنات السياسية، سيكونان عاملين حاسمين في تحديد دوره في مستقبل الجمهورية الإسلامية.


نتائج انتخابات 2017 في الجزائر وإيران وتركيا

المصدر: «مركز دلما للدراسات»، 2017


تعديلات سعودية مفاجئة لكن سبق حدوث مثلها
في أواخر شهر يونيو، تم تعيين محمد بن سلمان ولياً للعهد بدلاً من محمد بن نايف. هذه الخطوة وإن كانت غير اعتيادية فإنها لا تحدث للمرة الأولى، حيث سبق في سنة 2015 أن حل الأمير نايف نفسه محل الأمير مقرن بن عبدالعزيز كولي للعهد. وبالرغم من أنه ما يزال من السابق لأوانه قياس الأثر العام لهذه الخطوة على السياسات السعودية، فإن ولي العهد الجديد كان صاحب نفوذ في الشؤون الوطنية منذ 2015، وقد نال تعيينه موافقة هيئة البيعة التي أُنشئت لإدارة الخلافة الملكية. إضافة إلى ذلك، وعلاوة على لقب نائب رئيس مجلس الوزراء، سيواصل بن سلمان تولي مسؤولية المحفظتين الدفاعية والاقتصادية مع قيادة رؤية المملكة العربية السعودية 2030.

دفعة قوية للعلاقات السعودية-الأمريكية
في أوائل شهر مايو، كان دونالد ترامب في الرياض في إطار زيارة هي الأطول من نوعها لرئيس أمريكي إلى المملكة العربية السعودية. من المنظور السعودي، كانت لهذه الزيارة ثلاث نتائج هامة: تقدم كبير في برنامج توطين صناعة الدفاع السعودية، وزخم مؤسساتي ومالي نحو تحقيق رؤية السعودية 2030، وتجديد للعلاقات بين دول مجلس التعاون الخليجي والولايات المتحدة.

في 18 مايو، أي يومين قبل زيارة ترامب، أعلن صندوق الاستثمارات العامة السعودي عن إطلاق "الشركة السعودية للصناعات العسكرية"، وهي شركة وطنية للصناعات العسكرية. وستقوم الشركة بتصنيع المنتوجات وتقديم الخدمات في أربع وحدات: الأسلحة والصواريخ، والأنظمة الدفاعية الإلكترونية، والأنظمة البرية، إضافة إلى الأنظمة الجوية. ورغم المبادرات السابقة، يظل التصنيع السعودي في الوقت الحالي كلاماً لا أكثر. إلا أن إنشاء "الشركة السعودية للصناعات العسكرية" يؤشر على عزم المملكة بعيد المدى على رفع نسبة الإنتاج الدفاعي المحلي من 2% إلى 50% بحلول سنة 2030 حسب رؤية السعودية 2030.


"لكن يبدو أنه لا مفر من الضغط الذي سينزل بثقله على الإنفاق الدفاعي، وهو ما قد يقوض الطموحات البعيدة المدى لتوطين الصناعة الدفاعية السعودية."

وبعد توقيع صفقات تصل قيمتها إلى 110 مليارات دولار من طرف شركة «ريثيون» و«لوكهيد مارتن» و«جنرال دايناميكس» و«بوينغ» أثناء زيارة ترامب، ستسعى شركات الدفاع الأجنبية إلى الاستفادة من رغبة السعودية في تحقيق نقل التكنولوجيا والإنتاج المحلي والتدريب والبحث والتطوير. لكن يبدو أنه لا مفر من الضغط الذي سينزل بثقله على الإنفاق الدفاعي، وهو ما قد يقوض الطموحات البعيدة المدى لتوطين الصناعة الدفاعية السعودية.

وقد جاءت هذه الصفقات عقب سلسلة من المراسيم والتصريحات الملكية المهمة التي أُعلن عنها في مايو الماضي، والتي عززت زخم الجهود السعودية في سبيل التنويع، مع تعيين محمد الغفيلي مستشاراً لمركز الأمن الوطني الذي استُحدث مؤخراً، وهي إشارة على أن مهام المركز قد تكون مرتبطة بشكل وثيق بالقضايا الاقتصادية. وفي الوقت ذاته، ومع حملة تنفيذ رؤية 2030، حدد مجلس الشؤون الاقتصادية والتنمية 10 برامج جديدة لمعالجة الإشكاليات الكبرى مثل السكن الميسَّر وبطالة الشباب وخصخصة الشركات المملوكة للدولة.

"نعتبر رؤية السعودية 2030 أكثر من مجرد رؤية وطنية؛ إنها رؤية نلتزم بتحقيق مراميها نحن كذلك. إننا جزء من عملية التحول الجارية ونحن فخورون بكوننا الشركة العالمية الأولى التي أبدت التزامها بهذه الرؤية في عام 2016." جون رايس، نائب رئيس مجلس إدارة شركة «جنرال إلكتريك» والمدير التنفيذي لمنظمة «جنرال إلكتريك» للنماء العالمي.

وبفعل ما تخللته زيارة ترامب من صفقات عديدة مع السعودية ورسائل حادة موجهة لإيران، فإن هذه الزيارة قد كانت بمثابة احتفاء بالعلاقات الأمريكية مع دول مجلس التعاون الخليجي ودفعة قوية لها. وقد قال وزير الطاقة السعودي، خالد الفالح، إن الصفقات التي شملت شركات أمريكية وسعودية قد تجاوز مجموع قيمتها 200 مليار دولار، بما فيها صفقة بين «مجموعة بلاكستون» وصندوق الاستثمارات العامة، والتي سيتم بموجبها إنشاء آلية للاستثمار بقيمة 40 مليار دولار تركز على مشاريع البنية التحتية الأمريكية. هكذا استفاد ترامب من دعم مادي قوي، ومن جهة أخرى صوَّب تصريحاته العلنية حول مواقف إيران العدائية في المنطقة.

أما في طهران، فقد اعتبر الإيرانيون هذه الزيارة سطحية تخلو من أي دلالات حقيقية: فهي لم تنطو على وعود أو تصريحات قد تُغير السوابق التاريخية، كما أن قليلين هم من يعتقدون أن ترامب قد يقوم بفسخ الاتفاق النووي الإيراني. وإذا كان الإيرانيون على دراية بأن هذه الإدارة الأمريكية ستبقى متشددة، فإن عليهم كذلك التفكير بحذر في ردود فعلهم حيالها حتى لا يبتعد عنهم حلفاؤهم الأوروبيون الجدد المتعطشون لإقامة الأعمال في إيران.


الصفقات التي تم إبرامها خلال زيارة ترامب للمملكة العربية السعودية، مايو 2017 ($)

المصدر: «مركز دلما للدراسات»، 2017


شقوق تؤدي إلى تصدعات في العلاقات الخليجية
لقد اشتدت التوترات في الخليج – الذي عادة ما يسوده الهدوء – عقب مزاعم بقيام أمير قطر تميم بن حمد آل ثاني بالإدلاء بتصريحات حول علاقات قطر بإيران وإسرائيل وحماس والتي تتعارض مع سياسات باقي دول مجلس التعاون. وما انفكت وتيرة الخلافات تتصاعد منذ سنوات بسبب سياسات قطر الإقليمية في كل من ليبيا وسوريا، ودعمها لجماعة "الإخوان المسلمين"، حتى جاءت هذه التعليقات لتؤدي إلى فرض مقاطعة سياسية واقتصادية تقودها دولة الإمارات والمملكة العربية السعودية بدعم من خمس حكومات أخرى على الأقل.

وباعتبار أن مجلس التعاون الخليجي قد ظل حتى عهد قريب هو المنظمة الأمنية الإقليمية الوحيدة التي تعمل بفعالية في منطقة غرب آسيا وشمال إفريقيا، فإن قدرة المجلس الآن على توفير الأمن الإقليمي وحل النزاعات أصبحت موضع شكوك كثيرة. إذ من المرجح أن تفسح الأزمة الدبلوماسية القطرية المجال أمام دول أخرى للتدخل في الشؤون الداخلية لدول مجلس التعاون الخليجي، بما فيها دول الجوار مثل تركيا وإيران، بل وحتى أمام قوى لم يسبق لها أن تدخلت في هذا الشأن، مثل روسيا وألمانيا. هذا وقد يؤثر تزايد عدد الفاعلين السياسيين على قدرة أعضاء المجلس على العمل سويةً، وربما يتسبب في تكريس حالة عدم الاستقرار في المنطقة على المدى البعيد.


أمير الكويت رفقة أمير قطر، الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، بالدوحة في 7 يونيو 2017 في إطار جهود الوساطة الكويتية لحلحلة الخلاف بين دول مجلس التعاون الخليجي وقطر. الديوان الأميري – دولة الكويت، تم الاطلاع عليه في 7 يونيو

 
سياسة الواقع تملأ الفراغ الناجم عن انكماش «داعش»
في 7 يونيو، نفذ تنظيم «داعش» أول هجوم ناجح على الأراضي الإيرانية حين هاجم خمسة مسلحين وانتحاريين مقر البرلمان وضريح أب الثورة الإسلامية آية الله الخميني في طهران، ما أودى بحياة 18 شخصاً. وقد استهدفت هذه الهجمات المنسقة الرموز السياسية في البلاد عوضاً عن رموزها الدينية، وذلك بعد أسابيع فقط من إعادة انتخاب حسن روحاني رئيساً للبلاد. وقد أدت هذه الهجمات إلى شحن المشاعر القومية وإضفاء المشروعية على موقف الحرس الثوري الداعي إلى التدخل في سوريا والعراق لحماية الأراضي الإيرانية. هذا وقد رد الحرس الثوري عسكرياً من خلال إطلاق صواريخ في اتجاه سوريا، وسياسياً عبر إلقاء اللوم على السعودية.


"وتجدر الإشارة إلى أن الاتفاقيات المحلية لنزع السلاح والتهدئة بين الحكومة والمعارضة في تزايد ومن المرجح أن يستمر عددها في الارتفاع."


في 4 مايو، توصلت كل من تركيا وروسيا وإيران إلى اتفاق حول إنشاء مناطق تهدئة، مع إقامة هدنة لمدة ستة أشهر، في مختلف بؤر التوتر السورية. وقد تم احترام هذه الهدنة إلى حد كبير، ما مكن الجيش السوري من توجيه موارده لجبهات القتال ضد تنظيم «داعش» في شرقي محافظة حلب وصحراء حمص وجنوب تدمر. وتجدر الإشارة إلى أن الاتفاقيات المحلية لنزع السلاح والتهدئة بين الحكومة والمعارضة في تزايد ومن المرجح أن يستمر عددها في الارتفاع.

هذا وقد حققت الحكومة وبعض فصائل المعارضة تقدماً مهماً فيما يتعلق بتأمين مواقعهم في المناطق المسترجعة من قبضة «داعش»، لا سيما في جنوب شرق سوريا بمحاذاة الحدود الأردنية والعراقية. من جهتها، حاصرت القوات الكردية مدينة الرقة استعداداً لشن حملة في الصيف لطرد التنظيم من المدينة التي يتخذها عاصمة له. (علما ان التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة قد أعاد تجهيز القوات الكردية بأسلحة ثقيلة.)

وقد تكبد تنظيم «داعش» خسائر لا يمكن تعويضها في العراق وهو على وشك أن يطرد من الموصل، كما فر قادته الكبار من المدينة إلى المناطق المتاخمة للحدود العراقية-السورية، فيما لقي أعضاء آخرون رفيعو المستوى حتفهم في سوريا.

رغم رغبة إيران المعلنة في المضي قدماً في طريق الإصلاح، وتواصل فتحها لاقتصادها في وجه الشركات الدولية، فإن المستثمرين الأجانب ما زالوا يفضلون اتخاذ الحيطة والحذر. كذلك الشأن في مصر، إذ رغم ظهور إشارات تدل على تعافي الاقتصاد الوطني، يتواصل عزوف المستثمرين والسياح بسبب المخاوف الأمنية.

إيران

بين التعافي الاقتصادي واستياء الشارع والانتخابات

لقد شهد الربع الماضي من هذه السنة مشاركة الإيرانيين في انتخابات تاريخية عززت في نهاية المطاف الثقة في حسن روحاني وسياساته، حيث تمكن من حصد 57% من الأصوات – وهي نسبة أكبر من تلك التي حصل عليها في الانتخابات السابقة – دون أن تتأثر حظوظه بسبب البطء والتذبذب اللذان طبعا مسار تعافي الاقتصاد الإيراني. ورغم تزايد الاستياء بين صفوف الإيرانيين، فإنهم قد جددوا ثقتهم في الزعيم المعتدل مانحين إياه ولاية ثانية للقيام بالمزيد من الإصلاحات. غير أن قدرته على الاستجابة للتطلعات في مجالي التوظيف وحقوق الإنسان ما زالت محط التساؤلات.

انتعاش اقتصادي بطيء ومتذبذب رغم الإسقاط الجزئي للعقوبات
وفقاً لبيانات البنك الدولي، فإن اقتصاد إيران قد "استعاد عافيته" مع رفع العقوبات الدولية المتصلة بالبرنامج النووي في يناير 2016، وذلك بعد سنوات من التقلص. وتقدر المنظمة أن الناتج المحلي الإجمالي للبلاد قد حقق نمواً بنسبة 7.4% خلال النصف الأول من السنة المالية الإيرانية، مقارنة بالفترة ذاتها من السنة السابقة، وهو ما اعتبره صندوق النقد الدولي "تعافياً مثيراً للإعجاب".

هذا وتعرف بعض القطاعات مثل الطاقة انتعاشاً ملحوظاً. فالإنتاج النفطي الإيراني عاد بشكل سريع إلى المستويات التي كان عليها قبل فرض العقوبات، كما أن البلاد استعادت تدريجياً جزءاً كبيراً من حصتها في السوق. ورغم البيئة القانونية المتغيرة باستمرار والعراقيل البيروقراطية، فإن شركات نفط وغاز دولية شاركت في عدد من العطاءات.

"هذا النمو ظهر بجلاء في مجالات عدة مثل صناعة السيارات."

وقد أظهرت قطاعات أخرى إشارات أولى توحي بدينامية متجددة: حيث إن العديد من الشركات الأجنبية قد أنشأت مكاتب لها في إيران من أجل المشاركة في تحديث البنى التحتية المتهالكة في البلاد وتقديم منتوجاتها وخدماتها لسكان إيران البالغ عددهم حوالي 80 مليون نسمة. هذا النمو ظهر بجلاء في مجالات عدة مثل صناعة السيارات، إذ أعلنت شركتا «رينو» و«بيجو-سيتروين» الفرنسيتان الناشطتان في مجال تصنيع السيارات عن صفقات مشتركة مع نظيرتيهما «إيدرو» و«خودرو إيران» الإيرانيتين. كما أن شركتي «جاغوار» و«لاند روفر» البريطانيتين أكدتا مؤخراً الشائعات حول دخولهما السوق الإيراني عن طريق شركة السيارات المحلية «رافانرو خودرو»، وذلك رغم تاريخهما المعقد مع إيران.

ويعرف القطاع السياحي بدوره توسعاً ملحوظاً: فقد كشف مؤخراً المنتدى الاقتصادي العالمي أن إيران تستفيد من كونها أرخص وجهة سياحية في العالم، ومن أنها تنعم باستقرار نسبي وتملك مقومات سياحية وثقافية وطبيعية.


التصنيف العالمي لإيران في مجال الأسفار والسياحة، 2017

المصدر:المنتدى الاقتصادي العالمي، 2017


ورغم أن وسائل الإعلام الدولية لم تتحدث سوى عن أكبر الصفقات التي تم إبرامها بين إيران والمستثمرين الأجانب، مثل شركة «إيرباص» لصناعة الطائرات، فقد يكون توقيع اتفاقيات متعددة بين الشركات الصغرى والمتوسطة أكثر أهمية: فالعقود الأصغر تتطلب دعماً تمويلياً أقل من البنوك، والتي ما تزال متحفظة فيما يتعلق بدعم الاستثمار في إيران، كما أن التأثير المباشر والفوري لهذه العقود على الاقتصاد الإيراني أكبر، وبذلك، قد تؤدي إلى تقليص نسبة البطالة، وهذا ما يفسر أحدث مخططات الحكومة لتخصيص 5.3 مليار دولار لدعم 10 آلاف شركة صغرى ومتوسطة.

تزايد الاستياء في أوساط الإيرانيين
لقد اعترف روحاني شخصياً بأن توفير وظائف لـ1.5 مليون إيراني يبلغون سن العمل كل سنة يستوجب نمواً سنوياً في الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 8%. ولأن سقف تطلعات السكان مرتفع، بدأ الاستياء يتزايد إلى حد ما، خاصة في المحافظات المهمشة والتي يطبع تاريخها ضعف في التنمية بسبب الأقليات الدينية والعرقية التي تعيش بها. وفي الوقت الذي قدمت في الحكومة الإيرانية وعوداً لعدد هائل من المستثمرين، فإن الشكوك التي تحوم حول سياسة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تجاه البلاد قد أدت إلى قيام البنوك والشركات باعتماد سياسة التريث والترقب.


الناتج المحلي الإجمالي الاسمي للفرد في إيران، 2002 إلى 2016 (بالدولار)

المصدر:صندوق النقد الدولي، 2017

ويواصل الإيرانيون استغلال الاحتفالات الدينية وغيرها للتعبير عن سخطهم، حيث أصبحت شعارات من قبيل "انسوا سوريا وفكروا فينا" شائعة الاستعمال، وهي تسلط الضوء على الصدع المتسع بين الحكومة وأقوى عناصر الأقلية الحاكمة في إيران، أي الحرس الثوري الإيراني والمرشد الأعلى، والذين يولون جل اهتمامهم لدعم الحكومة السورية.


"مع استمرار تراجع حدة الصراع السوري، قد يتقلص التدخل الإيراني المباشر، الأمر الذي يُحتمل أن يؤدي إلى تهدئة التوترات الداخلية."

لكن مع استمرار تراجع حدة الصراع السوري، قد يتقلص التدخل الإيراني المباشر، الأمر الذي يُحتمل أن يؤدي إلى تهدئة التوترات الداخلية. علاوة على ذلك، فإن عمليات إيران العسكرية تحصد ثمارها أيضاً، فقد أصبحت سوريا سوقاً للشركات الإيرانية التي تستفيد من أفضلية الولوج لجهود الدولة من أجل إعادة البناء. وعلى سبيل المثال، أعلنت إيران في أبريل الماضي عن اتفاقيات لإدخال مُشغل لتراخيص الهاتف المحمول إلى سوريا، وحقوق تشغيل مناجم الفوسفات، ونقل خمسة آلاف هكتار من الأراضي من أجل إنشاء محطة بتروكيماويات، ونقل خمسة آلاف هكتار أخرى من أجل المزارع.

هذا وتعي الحكومة أن تطوير اقتصادها يتطلب تطبيع العلاقات مع دول مجلس التعاون الخليجي. إلا أن سياسة ترامب الجهرية المتعلقة بغرب آسيا قد تعرقل مثل هذه الروابط الهشة أصلاً، ما قد يرغم طهران على الاعتماد أكثر على باقي شركائها الآسيويين، رغم تنامي شعور مناهض للصين تم استغلاله ضد روحاني خلال الحملة الانتخابية الأخيرة.


إيرانيون مؤيدون لروحاني يحملون ملصقات انتخابية خلال تجمع خطابي في طهران، إيران، 17 مايو 2017. تيما/«رويترز» /«فوكال ميديا»


إعادة انتخاب روحاني، استفتاء شعبي حول أفعاله وطموحاته
إن إعادة انتخاب روحاني، بالإضافة إلى نسبة المشاركة في هذه الانتخابات التي بلغت 70%، هي بمثابة تزكية لسياساته خلال ولايته الأولى، لا سيما بالنظر إلى المعارضة الشديدة التي واجهته آنذاك. وبالرغم من ضعف النتائج الاقتصادية منذ رفع العقوبات على إيران، فإن تصويت الإيرانيين يبرز مدى التعلق القوي بالاتفاق النووي مع مجموعة 5+1.

وكان روحانيقد تعهد خلال الحملة بإسقاط ما تبقى من العقوبات الدولية ضد إيران. بيد أنه ورغم الجهود التي بذلها، ستظل العقوبات الناجمة عن تصنيف الولايات المتحدة الأمريكية لإيران على أنها "دولة داعمة للإرهاب" أو تلك المرتبطة ببرنامج الصواريخ الباليستية الإيراني قائمة، لأن طهران ولأسباب استراتيجية، لا تستطيع خسارة «حزب الله» وقدراتها الردعية. إلا أنها قد حاولت بالفعل تقليص أو رفع العقوبات المتعلقة بسجلها الخاص بحقوق الإنسان والمفروضة من طرف الاتحاد الأوروبي. ولأن إيران ترغب في تطبيع علاقاتها مع أوروبا والاستفادة من خبرات الشركات الفرنسية والألمانية بالخصوص، فإنها ستعمل على تطبيق إصلاحات هامشية مثل ما حصل مؤخراً من تقليل لأحكام الإعدام.


"ومن الواضح أن إعادة انتخاب روحاني تفويض بإجراء تغييرات مجتمعية."

ومن الواضح أن إعادة انتخاب روحاني تفويض بإجراء تغييرات مجتمعية. لكن الرئيس ينتمي إلى جناح المعتدلين وليس الإصلاحيين، وإن هو أُرغم على القيام بإجراءات إصلاحية، فمن المستبعد أن تسمح المؤسسة الدينية الإيرانية بإدخال إصلاحات تحريرية، إذ سيعتبرونها تهديداً وجودياً للثورة الإسلامية.

إن ضرورة الحفاظ على التماسك الاجتماعي وتفادي خروج الذين صوتوا لفائدة روحاني إلى الشوارع ستدفع بالرئيس إلى التركيز على الجانب الاقتصادي ووضع تقليص البطالة على رأس أولوياته. وفي الوقت الذي تعرقل فيه العقوبات الدولية المستمرة نمو الاقتصاد، توجد أسباب أخرى تفسر تخوف الشركات من الإقدام على الاستثمار في إيران من قبيل: البيروقراطية والفساد المستشري وانعدام التعاون بين البنوك المحلية. لذلك سيسعى روحاني على الأرجح إلى خلق بيئة ملائمة للأعمال من خلال إزالة هذه العقبات، من خلال إدخال إصلاحات منهجية قد تحول العديد من الاختبارات الاستكشافية إلى عقود.

صحيح أن الهجوم الذي شنه تنظيم «داعش» يوم 7 يونيو حمل دلالات رمزية حيث استهدف معلمين من المعالم المهمة في إيران، وهما ضريح الإمام الخميني ومبنى البرلمان، إلا أن تأثيره كان محدوداً نسبياً، لم يستفد روحاني إلا من "اتحاد مقدس" مؤقت بين المحافظين والمعتدلين، كما أن الهجوم لم يثن الشركات الدولية عن متابعة دراسة الاستثمارات المحتملة بروية.

مصر

نمو اقتصادي حذر رغم التحديات الأمنية

رغم عدد من المؤشرات الإيجابية، يظل طريق الاقتصاد المصري نحو التعافي الكامل طريقاً وعراً. على الصعيد السياسي، لم تشهد مصر أي تغيير من شأنه أن يشكل تحدياً لاستمرار رئاسة عبد الفتاح السيسي. أما دولياً، فإن مصر تعزز تحالفاتها مع أصدقائها الخليجيين بالموازاة مع بناء جسور التواصل مع إدارة الرئيس ترامب. بالمقابل، يواصل تنظيم «داعش» وغيره من الجماعات الإرهابية شن الهجمات على شبه جزيرة سيناء وباقي الأراضي المصرية، رغم استمرار حالة الطوارئ، مما قد يؤدي إلى عزوف السياح والمستثمرين المحتملين.

الإصلاحات الاقتصادية تعزز الثقة الدولية
ظهرت ملامح ثقة الرأي العام الدولي في مصر من خلال بيعها سندات دولية بقيمة 3 مليارات دولار بفائدة منخفضة مقارنة من التي عُرضت في وقت سابق وذلك في 25 مايو. بيد أنه وبعد قرار البلاد السماح بتعويم الجنيه، ظل التضخم الكبير والبالغ 31.5% مستمراً. هذا الأمر سيظل يشكل شوكة في حلق صناع السياسات المصريين العاملين على حل العقدة الغوردية المتمثلة في الآثار الاقتصادية المتداخلة: فضعف العملة قد يكون السبب في تزايد طلبات التصدير لأول مرة منذ سنتين، لكنه قد تسبب أيضاً في غلاء الأسعار الذي أضر بالمستهلكين والشركات التي تحتاج إلى منتوجات تصنيعية مستوردة.


التضخم في المؤشر العام لأسعار المستهلك مقابل الجنيه المصري مقارنة بالدولار

المصادر:البنك المركزي المصري، Xe.com، سنة 2017


ويتواصل التقلص في القطاعات غير النفطية مثل التصنيع والسياحة في ظل "ضعف الطلب الكامن"، وإن كان قد تباطأ. ومن شأن الزيادة في معدلات الفائدة التي أوصى بها صندوق النقد الدولي أن تساعد على مواجهة التضخم وإعادة الاستقرار للعملة، لكنها أيضاً قد تخلق تحديات للشركات المحلية الساعية إلى الاقتراض من أجل تمويل نموها. ومن شأن مصادقة البرلمان على قانون الاستثمار الذي يقدم حوافز للمستثمرين ويقلص الإجراءات البيروقراطية، والذي يتواصل تأجيله منذ زمن طويل، أن يشجع المستثمرين، لكن يبقى من المبكر الحكم على أثر هذا القانون.


"هذا وقد يُمَكِّن كل إجراء اقتصادي جديد من درء المشاكل ودعم النمو الاقتصادي، لكنه قد يحمل في طياته كذلك تبعات مؤلمة على المديين القصير والمتوسط."

هذا وقد يُمَكِّن كل إجراء اقتصادي جديد من درء المشاكل ودعم النمو الاقتصادي، لكنه قد يحمل في طياته كذلك تبعات مؤلمة على المديين القصير والمتوسط:فإصلاح نظام الدعم على سبيل المثال يساعد على إعادة التوازن للميزانية، لكنه سيؤثر على قدرة بعض المصريين على تحمل أسعار الأغذية الرئيسية؛ كما أن الخطوات الفجائية – وإن كانت تحكمها نوايا حسنة كما هو الشأن بالنسبة لتعديل سعر الفائدة وسعر صرف العملة – قد تولد حالة من الارتياب التي قد تؤثر بدورها على الاستثمار. لذلك يتعين على صناع السياسات في مصر إيجاد سبيل إلى تطبيق الإصلاحات الضرورية مع التخفيف من الآثار الاقتصادية المترتبة عن هذه الإصلاحات والتي قد تخلق ضغوطات اجتماعية وربما سياسية لا يستهان بها.

مصر تعيد ترسيخ دورها السياسي الدولي وتتماسك داخلياً
لقد اعترف الرئيس السيسي بأنه من الممكن أن تكون الإصلاحات الاقتصادية قد أثرت سلباً على شعبيته. إلا أن هذا لم يمنعه من التأكيد المتواصل على التزامه بهذه التدابير. ولا توجد حالياً أي معارضة سياسية موحدة سواء داخل الحكومة أو خارجها، ومن المرجح أن تسفر الانتخابات الرئاسية في 2018 عن إعادة انتخاب السيسي، باستثناء في حال تمكنت الأحزاب المعارِضة من تنظيم نفسها وحشد الدعم بشكل سريع.

ويبدو أن علاقة مصر بالمملكة العربية السعودية قد عادت إلى سابق عهدها بعد فترة من التوتر بسبب موقف مصر تجاه بعض القضايا الإقليمية بما فيها سوريا واليمن. كما يظهر أن زيارات الرئيس السيسي لكل من السعودية ودولة الإمارات في شهر أبريل الماضي، وحضوره إلى جانب الملك سلمان والرئيس الأمريكي دونالد ترامب في افتتاح "المركز العالمي لمكافحة الفكر المتطرف" في الرياض كانت تهدف إلى تلطيف الأجواء وتجديد العلاقات.


"لقد استثمرت كل من المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات الكثير من أجل تعافي مصر، كما لعبت مصر دوراً مهماً في جهود الوساطة المتواصلة لحل الأزمة الليبية."

لقد استثمرت كل من المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات الكثير من أجل تعافي مصر، كما لعبت مصر دوراً مهماً في جهود الوساطة المتواصلة لحل الأزمة الليبية. وقد سارعت مصر إلى موالاة السعودية ودولة الإمارات في شهر مايو الماضي إثر اندلاع خلاف مع قطر بسبب تعليقات مزعومة أدلى بها أمير قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني. وعلى خطى حلفائها في مجلس التعاون الخليجي، قامت مصر في غضون يوم واحد بحجب عدد من المواقع الإلكترونية، بما في ذلك موقعا قناة «الجزيرة» و«هافنتون بوست عربي»، بحجة "دعم الإرهاب". ومن ناحية أخرى، ستعول مصر على زيادة إنتاجها المحلي من الغاز وموارد أخرى لتقليل واردات الغاز الطبيعي المسال من قطر. غير أن الأزمة لا تزال تلقي بظلالها على الحوالات المالية المهمة التي يرسلها المصريون العاملون في قطر إلى الديار. هذا وتحظى العلاقة القوية مع السعودية والإمارات بأهمية كبيرة لدى مصر من أجل الدعم المالي والتأكيد على دورها الإقليمي.



الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي والملك سلمان والرئيس الأمريكي دونالد ترامب يقومون بافتتاح "المركز العالمي لمكافحة الفكر المتطرف" في الرياض بالمملكة العربية السعودية في 21 مايو 2017. البيت الأبيض/«فليكر»


مصر تكافح من أجل اجتثاث ظاهرة الهجمات الإرهابية
يظل الأمن في مصر ضعيفاً رغم إحراز بعض التقدم، وهو ماترتب عنه تداعيات مهمة على الاستثمار الأجنبي وقطاع السياحة. وتستمر الهجمات التي يشنها تنظيم «داعش» بدون انقطاع، مع تمكُّن الجماعة من فرض نوع من السيطرة على أجزاء من شمال سيناء. ولعل قيام القبائل المحلية، بما فيها قبيلة «الترابين» الضخمة، بحمل السلاح ومقاتلة التنظيم بشكل مباشر في المنطقة إشارة على عدم تمكن قوات الأمن من حل المشكل بمفردها. وقد شن تنظيم «داعش» عدداً من الهجمات التي استهدفت المسيحيين الأقباط المصريين، بما فيها عمليات قتل مستهدفة في سيناء وهجمات كبرى بالقاهرة في ديسمبر 2016 وبالإسكندرية وطنطا في 9 أبريل 2017، وقرب المنيا في 26 مايو 2017، ما أسفر عن إصابة عشرات من المدنيين.

وفي الوقت الذي تصدرت فيه هجمات «داعش» عناوين الصحف، واصلت جماعات أخرى كـ"حركة حسم" الموالية لـ«جماعة الإخوان المسلمين» قيامها باعتداءات اتسمت بقدر من الحنكة، من قبيلهجوم 2 مايو الذي راح ضحيته ثلاثة عناصر من الشرطة في نقطة تفتيش بالقاهرة، حيث تصدر الجماعة تهديدات مباشرة لعناصر قوات الأمن والقضاء. وتبرز الهجمات في القاهرة والإسكندرية والمناطق المجاورة لهما بأن مشكلة الإرهاب لم تعد تقتصر على منطقة سيناء.


الحوادث الأمنية الخطيرة مقابل توافد السياح، 2015-2017 (مليون)

المصادر:الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء المصري، «مركز دلما للدراسات»، 2017


وبالنظر إلى تحسن الأرقام الخاصة بالسياحة في مطلع العام الحالي، من المحتمل أن تضعف الهجمات المتوالية أي نمو قد يعرفه القطاع. ولعل أبرز الأخبار المرتبطة بهذا الأمر كانت قيام شركة دولية كبرى واحدة على الأقل بإلغاء رحلة كان من المخطط أن يقوم بها مدراؤها التنفيذيون بسبب مخاوف أمنية. هذا وسيجعل استمرار حالة الطوارئ في البلاد "محفوفة بالمخاطر" في أعين المستثمرين كما قد يعرقل تدفقات رؤوس الأموال الأجنبية التي تحتاجها مصر. ومن المرجح أن يستمر الضغط على حكومة السيسي في الارتفاع لتتخذ خطوات جديدة بدل تكرار الإجراءات التي دأبت على تفعيلها. وعقب الحادث الذي شهدته المنيا، قام الجيش المصري بشن غارات جوية على المقاتلين التابعين لتنظيم «القاعدة» في مدينة درنة الليبية. ولا شك أن مثل هذه الخطوات تبرز الصعوبة التي تواجهها مصر في تأمين حدودها الممتدة المشتركة مع ليبيا، وهي توازي صعوبة تأمين سيناء التي يزداد الوضع فيها خطورة.

في هذه الدراسة المعمقة الثالثة سنتطرق للصناعة العسكرية المتنامية في دولة الإمارات، مع مناقشة كيف ولماذا يتعين على الشركات الأجنبية الاستفادة من خطط البلاد المرتبطة بتوسيع وتعزيز هذا القطاع. كما نستكشف في إطار سلسلة "معضلة جلية دون حلول فعلية" أنماط تراجع الطاقة النووية في أوروبا ونموها في غرب آسيا وشمال إفريقيا.

صناعات عسكرية إماراتية متجذرة محلياً

فرص سانحة للمتعاقدين في مجال الدفاع

إن فهم التطورات الكامنة في الصناعات العسكرية الإماراتية يمنح للمتعاقدين في مجال الدفاع العاملين في السوق المحلية فرصاً مربحة بالنسبة لهم ولعملائهم.
فمع مرور السنين، رفعت دولة الإمارات بصورة واضحة من إنفاقها الدفاعي، حيث تشير التقديرات إلى أن القطاع استفاد في 2015 مما يزيد عن 22.7 مليار دولار، وهو ارتفاع بنسبة 135% مقارنة بسنة 2005. واليوم تعتبر البلاد ثالث أكبر مستورد للأسلحة في العالم، خلف الهند والسعودية، ومعظم وارداتها على مدى السنوات الأربع الماضية كانت من الولايات المتحدة وفرنسا وإيطاليا.

ورغم الضغوطات الموجودة على مستوى الميزانية، فإن الإنفاق العسكري قد ارتفع بالموازاة مع تنامي التهديدات التي تتعرض لها المنطقة، وقد يصل إلى 41 مليار دولار بحلول سنة 2025. هذا وتتطلب مشاركة دولة الإمارات في الحرب اليمنية إنفاقاً لوجستياً مهماً، كما أنها جددت عزم البلاد على الحصول على أسلحة عالية التقنية لدعم قواتها.


الميزانية العسكرية التقديرية لدول مجلس التعاون، 2000-2016 (مليار دولار)

المصدر: قاعدة بيانات «سيبري» للنفقات العسكرية، تم الاطلاع عليها في 2017

قيمة مؤشر الاتجاهات الخاصة بصادرات الأسلحة نحو دولة الإمارات، 2012-2016

المصدر: قاعدة بيانات «سيبري» لتحويلات الأسلحة، تم الاطلاع عليها في 2017


أما من المنظور التجاري، فإن افتراض أن زيادة ميزانيه القطاع العسكري يعني أن "الأمور ماشية" هو إفراط في تبسيط المسألة. فبدون دراسة دقيقة لقطاع الدفاع الإماراتي، تتقلص فرص المتعاقدين الأجانب في خدمة مصالحهم البعيدة الأمد في هذا القطاع. وبينما يتركز جل الاهتمام حول تعاظم الميزانية الإماراتية وتزايد استيراد البلاد للأسلحة، يتم تجاهل جانب حديث الظهور وذي أهمية متزايدة في هذا القطاع، ألا وهو تنمية الصناعة المحلية.


"ففي الوقت الذي تسعى فيه دولة الإمارات إلى كسب مكانة جديدة كمنتج أسلحة ناشئ، ينبغي أن تتحول علاقتها التجارية مع شركائها التقليديين في مجال الدفاع إلى شراكة استراتيجية وألا تظل عبارة عن علاقة عادية بين مزود وعميل."

ففي الوقت الذي تسعى فيه دولة الإمارات إلى كسب مكانة جديدة كمنتج أسلحة ناشئ، ينبغي أن تتحول علاقتها التجارية مع شركائها التقليديين في مجال الدفاع إلى شراكة استراتيجية وألا تظل عبارة عن علاقة عادية بين مزود وعميل. لذلك فإن الشركات الأجنبية إذا تزودت بالمعلومات المناسبة فستتمكن من تمييز نفسها عن أشرس منافسيها، بل وسيكون بوسعها تزويد الجيش الإماراتي بمنتوجات وخدمات ملائمة تماماً لما يحتاجه.

استغلال الفرصة
تمكنت دولة الإمارات على مدى العقد الماضي من تطوير قاعدتها الدفاعية من أجل تقليص اعتمادها على مُصدري الأسلحة التقليديين. مثل هذا التوجه لم يأت فقط للتصدي للتهديدات الإقليمية المتنامية، وإنما يعكس أيضاً الطموحات الكبرى لدولة الإمارات والمتمثلة في أن تصبح فاعلاً إقليمياً ودولياً. كما أن التركيز على هذا القطاع ينسجم معالهدف الذي سطرته رؤية 2021 والمتعلق بتنويع الاقتصاد واستحداث الوظائف.

إن إنشاء «شركة الإمارات للصناعات العسكرية» («إيديك») في ديسمبر 2014 قد عزز المبادرات السابقة وأكد على عزم دولة الإمارات على الاستثمار في صناعتها الدفاعية. وإضافة إلى إدماجها لأصول مملوكة لكل من شركة «مبادلة للتنمية» و«توازن القابضة» و«مجموعة الإمارات للاستثمارات المتقدمة»، تتكون «إيديك» من 15 شركة تقدم خدمات "التصنيع والأنظمة المستقلة ورسم الخرائط والصيانة والإصلاحات والتجديدات، والتواصل والخدمات اللوجستية والتطور التكنولوجي".

وفي المجموع، تدعم أكثر من 120 شركة محلية خاصة وعامة الصناعة الدفاعية الناشئة للبلاد.


خارطة الفاعلين الحكوميين الأساسيين في مجال الدفاع بدولة الإمارات

المصدر: «مركز دلما للدراسات»، 2017


وتقوم معظم الشركات بتقديم الأجزاء والمُكونات والخدمات للعملاء المحليين أو الدوليين. إلا أن بعض الشركات المحلية تمكنت من تحقيق إنتاج مشترك أو إنتاج كامل لمنتوجات خاصة بها عبر استخدام تكنولوجيا اشترتها من شركاء دوليين. وخلال «معرض ومؤتمر الدفاع الدولي» («أيديكس») 2017 الذي عقد في أبوظبي، فازت شركة «نمر للسيارات» بعقد لتصنيع أكثر من 1765 مركبة مدرعة للقوات المسلحة الإماراتية. علاوة على ذلك، فإن مسدسات «كاراكال» هي أول أسلحة صغيرة يتم تصنيعها في دولة الإمارات وقد أصبحت اليوم هي الأسلحة الرسمية للقوات المسلحة والأمنية.

من جهة أخرى، قامت شركة «أبوظبي لبناء السفن» بشراء الحقوق الخاصة بسفينة «بي أر 70 كورفيت» بطول 70 متر، والتي صممتها «شركة الإنشاءات الميكانيكية في نورماندي». وباستخدام هذا النموذج لصناعة سفن «كورفيت» من طراز "بينونة"، أصبحت «أبوظبي لصناعة السفن» اليوم تصدر السفن للقوات البحرية في كل من الكويت وعُمان، ومن المرجح أن تنضاف السعودية للقائمة.



زائر يمر بجانب ملصقة خلال معرض «أيديكس» 2017 في أبوظبي. ينعقد المعرض كل سنتين ويجتذب آلاف شركات الدفاع من كافة أرجاء العالم. محمد سالم/«رويترز»/«فوكال ميديا»


وتواصل دولة الإمارات ترسيخ حضورها كفاعل عسكري موثوق به؛ فاعل على دراية تامة بما يريده وما يحتاجه. ونظراً لعدد مواطنيها القليل (من بين ما يقارب 9.2 مليون شخص يعيشون في دولة الإمارات، حوالي 1.1 مليون منهم مواطنون إماراتيون)، وقوتها العاملة المتعلمة، فإن دولة الإمارات واعية بأنها في الوقت الحالي يجب أن تعتمد على العاملين الأجانب ذوي المهارات العالية.


"وتظهر الرغبة في رفع الإنفاق على البحث والتطوير جلية في استعداد دولة الإمارات لدعم أي صفقة أسلحة بالاستثمار المحلي، مولدة بذلك المعارف والقدرات المحلية."

إلا أن الترحال الدائم في صفوف العمالة الوافدة إلى الإمارات لا يلائم خطط البلاد بعيدة المدى. فالدولة تحتاج لرعاية المواهب المحلية عبر زيادة الإنفاق على البحث والتطوير، والذي يمثل حالياً حوالي 0.49% من الناتج المحلي الإجمالي، وهو أقل بكثير من المتوسط الذي يصل إلى 2.4% في دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية. وتظهر الرغبة في رفع الإنفاق على البحث والتطوير جلية في استعداد دولة الإمارات لدعم أي صفقة أسلحة بالاستثمار المحلي، مولدة بذلك المعارف والقدرات المحلية.

كما تتخذ دولة الإمارات خطوات لإضفاء صبغة رسمية على عملية الشراء الخاصة بها من أجل تقييم أكثر فعالية لاحتياجاتها والتعبير عنها بشكل أفضل للمزودين التقليديين، إلا أنه على ما يبدو قد تم تعليق هذه الجهود بصورة أساسية دون قصد منذ بداية الصراع اليمني.

التحرك بشكل استراتيجي والإنصات أولاً
يجب أن يستفيد المزودون التقليديون في مجال الدفاع من هذه المرحلة، خاصة إن كانوا يرغبون في مواكبة المنافسة الشرسة من قبل العديد من الشركات، من بينها شركات الدفاع الصينية التي يشير حضورها اللافت في دورة «إيديكس» لسنة 2017 إلى تزايد نفوذها في السوق المحلية.

هذا ويتعين على الشركاء التقليديين إعادة التفكير في علاقتهم مع الإمارات، حيث ينبغي أن يدركوا أن القيادة العسكرية الإماراتية قد أصبحت تعي بشكل أفضل مهمتها ورؤيتها لمستقبل الدولة على المدى البعيد، إذ ان هناك إدراك متزايد لما يتعين القيام به من أجل تحقيق هذه الأهداف لتطوير الصناعات العسكرية المحلية. وحسب ما تفيد به مصادر تعمل في قطاع الدفاع فإن "الشركات الأجنبية يجب عليها أن تتعلم الإنصات أولاً، لكي تتمكن من تقديم منتجات وخدمات تتناسب بشكل أفضل مع المتطلبات الإماراتية."


"وفي الوقت الذي شرعت فيه دولة الإمارات في توطين بعض الجوانب من إنتاج الأسلحة، لا يزال الغموض يخيم على جداولها الزمنية للمدى البعيد، ما يخلق فرصاً للشركات الأجنبية لمساعدة الدولة على توضيح طموحاتها وضمان استمراريتها."

وفي الوقت الذي شرعت فيه دولة الإمارات في توطين بعض الجوانب من إنتاج الأسلحة، لا يزال الغموض يخيم على جداولها الزمنية للمدى البعيد، ما يخلق فرصاً للشركات الأجنبية لمساعدة الدولة على توضيح طموحاتها وضمان استمراريتها. ويشهد التاريخ أنه قد سبق للمزودين التقليديين في مجال الدفاع مساعدة الإمارات في تطوير صناعتها الدفاعية المحلية: حيث دخلت مجموعة منشركات الدفاع المحلية – مثل «المركز العسكري المتطور للصيانة والإصلاح والعمرة» («أمروك»)، وشركة «أبوظبي الاستثمارية للأنظمة الذاتية» («أداسي»)، و«مجموعة الجابر»، وشركة «توازن داينامكس» – في بادئ الأمر في مشاريع مشتركة مع شركات أجنبية، ثم أصبح باستطاعتها بعد ذلك العمل باستقلالية وبصورة مستدامة. غير أنه يتعين على المزودين التقليديين في مجال الدفاع مواصلة جهودهم لمساعدة دولة الإمارات، وذلك لدعمها في تجاوز مكامن النقص لديها والتي يجب معالجتها بصورة مستعجلة.

هذا وتمثل احتياجات الإمارات فرصاً كبيرة بالنسبة للشركات الأجنبية لإعداد حزم جذابة، لا سيما في مجالات نقل التكنولوجيا والتدريب وتمويل شركات البحث والتطوير. ويتعين على شركات الدفاع التقليدية السعي إلى الرفع من تأثير ونطاقبرامج الموازنة إلى الحد الأقصى، علماً بأن برامج الموازنة هذه تتطلب من المتعاقدين الأجانب في مجال الدفاع الذين يوقعون صفقات تفوق قيمتها 10 مليون دولار على مدى خمس سنوات أن يضمنوا تخصيص 60% من قيمة العقود الإجمالية للاستثمار المحلي. ويدخل المزودون الأجانب عادة في مشاريع مشتركة مع شركاء إماراتيين أو يوفرون نقل التكنولوجيا الخاصة بنظام فرعي محدد أو قطعة معينة من المعدات، أو صيانة برامج الحاسوب. أما في الوقت الراهن، فيتعين عليهم عدم الاقتصار على هذه الأمور فقط، بل كذلك توفير نقل التكنولوجيا المتخصصة والاستثمار في مجال بناء القدرات.

ونظراً للأهمية التي توليها دولة الإمارات لدعم المواهب المحلية، يتعين على المزودين الأجانب أخذ تمويل عدد أكبر من أبحاث البحث والتطوير في الجامعات أو المناطق الصناعية المحلية بعين الاعتبار. كما يجب عليهم التفكير في التعاون مع شركات الدفاع المحلية بغية تقديم دورات تدريبية في مجالات التقنية العالية، وذلك بدءاً بالمجندين.

سباق المفاعلات النووية

دول غرب آسيا وشمال إفريقيا تتنافس للالتحاق بنادي الطاقة النووية


محطة "براكة" للطاقة النووية في طور الإنشاء بدولة الإمارات. ل. بوترتون/الوكالة الدولية للطاقة الذرية


إن السعي وراء الطاقة النووية في تزايد ملحوظ في ظل التوقعات بأن الطلب العالمي على الطاقة سيتضاعف بمرتين بحلول عام 2030. ففي الوقت الراهن، يوجد 59 مفاعلاً نووياً في طور الإنشاء في 15 بلداً. وفي حين أن الاقتصادات الآسيوية تقود عجلة النمو في قطاع الطاقة النووية، حيث تغطي الصين وحدها ما يناهز ثلث عمليات البناء الجديدة، فإن العديد من الأسواق الناشئة في غرب آسيا وشمال إفريقيا تحاول هي الأخرى إطلاق مشاريع طاقة نووية خاصة بها. وفي هذا السياق، تقدم التجربة الأوروبية في مجال الطاقة النووية دروساً عن الصعوبات التي تتخلل إحداث برامج ناجحة للطاقة النووية. والواضح أن طريق دول غرب آسيا وشمال إفريقيا إلى النجاح لن يخلو من عقبات كبيرة، إلا أن التغلب على هذه العوائق ليس بالأمر المستحيل.

وكانت الإمارات سنة 2009 أول دولة في غرب آسيا وشمال إفريقيا تفتتح برنامجاً نووياً سلمياً من خلال إبرامهااتفاقاً بقيمة 20 مليار دولار مع ائتلاف شركات تقوده شركة «كيبكو» الكورية الجنوبية من أجل بناء أربعة مفاعلات نووية من نوع «أي بي آر-1400» تعمل بالماء الخفيف وبسعة 1400 ميغاوات في موقع "براكة". وبعد أن اكتملت أشغال إنشاء أول مفاعلاتها، يرجح أن تصبح دولة الإمارات أول مشغل نووي في غرب آسيا وشمال إفريقيا.


"كما تسير تركيا على خطى الإمارات، بل إن البرنامج النووي التركي يعد هو الأكثر تقدماً."

كما تسير تركيا على خطى الإمارات، بل إن البرنامج النووي التركي يعد هو الأكثر تقدماً. هذا ولم يؤت طموح تركيا منذ 40 سنة في إطلاق برنامج نووي بدأ سنة 2010، وذلك بتوقيعها عقد تشييد وامتلاك وتشغيل بقيمة 20 مليار دولار مع شركة «أتوم ستروي إكسبورت» الروسية من أجل إنشاء أربعة مفاعلات من نوع «في في إي آر-1200» تعمل بالماء الخفيف وبسعة 1200 ميغاوات في موقع "أكويو" على الساحل المتوسطي.

وهناك خطط لإنجاز المزيد من المنشآت في موقعين آخرين في تركيا: وهما سينوب وإيغنيادا. فبالنسبة لسينوب الواقعة على ساحل البحر الأسود شمال البلاد، وقعت تركيا سنة 2013 اتفاق تشييد وتشغيل ونقل بقيمة 22 مليار دولار مع ائتلاف مكون من شركة «أريفا» الفرنسية وشركة «ميتسوبيشي للصناعات الثقيلة» اليابانية من أجل بناء أربعة مفاعلات من نوع «أتميا-1» بسعة 1200 ميغاوات. لكن هذا المشروع الذي كان من المقرر أن ينطلق في 2018 تأخر عن الموعد المحدد له. أما بالنسبة لإيغنيادا الواقعة على بعد 12 كلم من الحدود البلغارية شمال غرب البلاد، فإن تركيا قد دخلت في محادثات مع مزودين اثنين – هما شركة تكنولوجيا الطاقة النووية المملوكة لدى الجمهورية الصينية، وائتلاف ياباني-أمريكي مكون من شركة «توشيبا» وشركة «ويستينغهاوس» – من أجل إنشاء محطة نووية من أربع وحدات. لكن إعلان إفلاس الشركة الأمريكية في مارس الماضي دب الغموض في مستقبل هذا المشروع.

الأردن بدوره لديه خطط للطاقة النووية، إذ تأمل عَمان إلى إنتاج 30% من الكهرباء انطلاقاً من مصادر نووية وأن تتحول من مستورد صاف للطاقة إلى مُصدر صاف للكهرباء بحلول عام 2030. وكانت البلاد في أواسط سنة 2008 قد وقعت اتفاقاً مع "منظمة الطاقة الذرية الكندية" يخص دراسة جدوى بشأن مفاعل «كاندو-6» مدعم بسعة 740 ميغاوات. وفي وقت لاحق من نفس السنة، عقد الأردن محادثات مع شركة «أريفا» الفرنسية حول وحدة بسعة 1100 ميغاوات، يرجح أن تكون من نوع «أتميا» الذي تحاول تركيا بدورها بناء مثله في سينوب، ومع شركة «كيبكو» بشأن اختيار الموقع ودراسة الجدوى.

وكان الأردن قد دخل سنة 2011 في محادثات مع ائتلاف «أريفا» و«ميتسوبيشي للصناعات الثقيلة»، و"منظمة الطاقة الذرية الكندية"، إضافة إلى شركة «أتوم ستروي إكسبورت» الروسية، وهو ما أسفر عن توقيع اتفاق مع هذه الأخيرة في 2013 لمفاعلين من نوع «في في إي آر-1000» ستقوم الشركة الروسية بتشغيلهما بصورة مشتركة مع "هيئة الطاقة الذرية الأردنية". وسيبدأ تشغيل المفاعلين سنة 2025.


"وإذا كانت دول الإمارات وتركيا والأردن قد حققت تقدماً ملموساً، فإن السعودية قد تتمكن من تجاوزها."

وإذا كانت دول الإمارات وتركيا والأردن قد حققت تقدماً ملموساً، فإن السعودية قد تتمكن من تجاوزها مجتمعة، إذ تعتزم الرياض إنفاق ما يزيد عن 109 مليار دولار بحلول 2032 لإضافة 17 جيغاوات لسعتها الطاقية، وهو ما يكفي لتغطية 15% منالحاجة للطاقة للبلاد. وتطمح الرياض أيضاً إلى إطلاق 16 مفاعلاً نووياً (بتكلفة تفوق 80 مليار دولار) بحلول 2040، مضيفةً بذلك 17 جيغاوات لسعة البلاد النووية. وقد دخلت السعودية سلفاً في محادثات مع ائتلافين يابانيين-أمريكيين («جنرال إلكتريك» و«هيتاتشي» من جهة، و«توشيبا» و«ويستينغهاوس» من جهة ثانية) تهم مفاعلات من "الجيل III+". هذا وقد دخلت شركة «أريفا-كهرباء فرنسا» في شراكة مع شركة سعودية من أجل إجراء دراسة جدوى تهم تصميم «إي بي آر» الخاص بها.

وتعمل الرياض كذلك على إنشاء وحدات أصغر حجماً وسعةً: فقد وقعت بالفعل صفقة بقيمة 2 مليار دولار مع "المعهد الكوري لأبحاث الطاقة الذرية" في كوريا الجنوبية لبناء مفاعلين نوويين صغيرين (بسعة 330 ميغاوات) ومحطة تحلية مياه مزوَّدة بمفاعل نووي بسعة 90 ميغاوات. كما تتواصل جهود أخرى حيث ستقوم شركة «إنفاب» الأرجنتينية بإنشاء مفاعل تركيبي صغير مستوحى من تصميمها لمفاعل «كارم» الأرجنتيني، وستقوم "الشركة النووية الوطنية الصينية" بإنشاء مفاعل من الجيل القادم عالي الحرارة ومُبَرَّد بالغاز وذي طبقة حصوية. وستساعد هذه المشاريع على بناء خبرات محلية وتمهد الطريق لمشاريع أكثر تعقيداً وأوسع نطاقاً.

كما تسعى كل من مصر وإيران وإسرائيل إلى تحقيق تطور نووي في المستقبل. فبعد أكثر من ثلاثة عقود من الأخذ والرد، قامت مصر بتوقيع اتفاق مع روسيا لإنشاء أربعة مفاعلات بسعة 1200 ميغاوات بموقع الضبعة، يتم تمويله بقرض قيمته 25 مليار دولار على مدى 35 سنة. ومن المتوقع أن ينطلق تشغيل المنشأة في 2025. وتخطط إيران لتوسيع مفاعلها الروسي الصنع بسعة 1000 ميغاوات في بوشهر بإضافة أربعة مفاعلات من "الجيل III+"، إلى جانب مخططات لمشاريع مفاعلات صغيرة مثل مفاعل الماء الخفيف بسعة 300 ميغاوات المحلي الصنع في منطقة دارخوين والصفقة التي تم توقيعها في 2016 بقيمة 10 مليار دولار حول مفاعلين من صنع صيني بسعة 100 ميغاوات في مكران. ويُعتقد أن إسرائيل أيضاً تقوم بدراسة جدوى لمنشأة طاقة نووية في موقع شيفتا في صحراء النقب.


المشاريع النووية في منطقة غرب آسيا وشمال إفريقيا: مستوى التقدم الحالي

المصدر: «مركز دلما للدراسات»، 2017

سباق حواجز وليس سباق سرعة
تواجه العديد من دول منطقة غرب آسيا وشمال إفريقيا التي تطمح إلى إحداث برامج للطاقة النووية عقبات كبيرة. حيث تقولجيسيكا جويلمن «جامعة أوروبا الوسطى» إنه من المرجح أن تتمكن السعودية والإمارات من بناء برامج ناجحة. وتشير إلى أن تركيا ومصر تواجهان تحديات مرتبطة بانعدام الاستقرار السياسي والقيود المفروضة على الميزانية وفعالية الحكومة، في حين تقف عراقيل كصغر الاقتصاد والضعف الحكومي حجر عثرة أمام تحقيق كل من الأردن والبحرين واليمن وقطر للتطور النووي.

وتشكل التكلفة مشكلة كبرى إضافيةقد تحول دون انضمام بعض هذه الدول الطامحة إلى النادي. ففي المتوسط، تعتبر أعلى تكلفة للكيلوات في الساعة لتوليد الطاقة النوويةأكبر بثلاث مرات تقريباًمن التقديرات الأولية. علاوة على ذلك، اختارت بعض الدول، مثل تركيا والسعودية، إنشاء تصميمات لم يسبق اختبارها، والتي يرجح أنترفع التكلفة وتؤخر التسليم. فحتى في الدول التي تملك برامج طاقة نووية قائمة منذ زمن بعيد، مثل الولايات المتحدة، يصل متوسط تكلفة بناء المحطة الواحدة إلىضعف التقديرات الأولية. ولا يرجح أن تتمكن حتى السعودية والإمارات، اللتان تملكان الموارد المالية لتغطية هذه التكاليف المرتفعة، من تحمل التكاليف الإضافية، خصوصاً في ظل وصول أسعار النفط إلى أدنى مستوياتها.


"تفتقر هذه الدول إلى الخبرة المسبقة في مجال الطاقة النووية، أوالبنية التحتية اللازمة للنظام، أو قاعدة الرأسمال البشري المتطورة بالشكل الكافي."

علاوة على ذلك، تفتقر هذه الدول إلى الخبرة المسبقة في مجال الطاقة النووية، أوالبنية التحتية اللازمة للنظام، أو قاعدة الرأسمال البشري المتطورة بالشكل الكافي. ففي أغلب دول منطقة غرب آسيا وشمال إفريقيا، لا تتلاءم شبكات الكهرباء مع الطاقة النووية، ما يعني أنها في حاجة لإصلاحات مهمة. كما يطرح تطوير قوى عاملة متمكنة إشكالية عويصة، حيث يجب أن يحصل مشغلو المحطة والمنظمون والموظفون الحكوميون على الخبرات، والتي بدورها تتطلب قاعدة أكاديمية ملائمة وأموالاً مخصصة. إن هذه العملية تتطلب الكثير من الوقت، إذ يحتاج المتخصصون في المجال النووي إلى ما يقارب عشر سنوات من التدريب.

وأخيراً، يشكل اختيار الموقع عقبة كبيرة، حيث يقع مفاعل «أكويو» التركي قرب مدينة منتجعات شهيرة، والتي عبر سكانها عن قلقهم إزاء احتمال تهديد المشروع للسياحة المحلية. أما إشكالية السعودية فهي نقص المياه، حيث يقع ساحل البلاد على بحر الخليج في منطقة نشيطة زلزالياً إضافة إلى كونها تشكل مخاطر أمنية في حال تصاعدت التوترات مع إيران. في نفس الوقت فإن بناء المنشأة في منطقة داخلية يتطلب إنشاء أنابيب للمياه، ما سيفرض بدوره تكلفة إضافية. هذا ويواجه الأردن كذلك صعوبات مماثلة، حيث إن الموقع المحتمل في منطقة قصر عمرة مصنف ضمن قائمة «اليونيسكو» للتراث العالمي كما يُعتبر موطن قبيلة بني صخر القوية التي تعارض إقامة المشروع. وعلاوة على هذا وذاك، يقع أقرب مصدر للمياه منه على بعد 70 كلم.



رئيس الوزراء الياباني شينزو آبي ورئيس الوزراء التركي آنذاك رجب طيب أردوغان أثناء مراسيم توقيع اتفاقية بناء ثاني محطة نووية في تركيا بمدينة سينوب. أوميت بكتاش/ وكالة «رويترز»


أهمية العمل الجماعي
إن التعاون لا يأتي سهلاً، ولكن منافعه جمة في اتجاه تجاوز مثل هذه التحديات. فالتعاون متعدد الأطراف من شأنه أن يسهل على هذه الدول تطوير واستغلال الطاقة النووية، بل وحتى غيرها من الموارد الهامة كالماء مثلاً. وفي هذا الصدد، تقدم أوروبانموذجاً جديراً بالاهتمام: فمن خلال أرضيات التعاون الخاصة بالموارد العابرة للحدود – مثل "المجموعة الأوروبية للفحم والصلب" أو "المجموعة الأوروبية للطاقة الذرية" («يوروتوم») – تمكنت أوروبا من تحقيق الأمن في المنطقة وإرساء دعائم مرحلة جديدة من الازدهار.

ورغم أن تحقيق اندماج إقليمي من نفس المستوى في منطقة غرب آسيا وشمال إفريقيا يظل صعباً، يمكن لهذه الدول العمل على زيادة المشاركة السياسية والتعاون التقني في مجالات من قبيل الربط بين الشبكات وتشارك المعارف الصناعية ومشاريع البنى التحتية المتعددة الجنسيات. وعلى سبيل المثال، في شهر يونيو الجاري، انطلقت أشغال أول مشروع للتعاون العلمي واسع النطاق في منطقة غرب آسيا وشمال إفريقيا بالأردن، وهو المسرِّع الضوئي الخاص بأبحاث العلوم التجريبية والتطبيقية في الشرق الأوسط. مثل هذه المشاريع تقدم نموذجاً لجهود التعاون في المستقبل. فبالرغم من بساطة مثل هذه الخطوات، يمكن لتجميع الموارد في نطاق تعاوني على هذا المستوى أن يشكل إطار العمل اللازم لتمكين دول غرب آسيا وشمال إفريقيا من إطلاق برامجها الخاصة بالطاقة النووية.

كلمة أخيرة


في غضون الأشهر الثلاثة الماضية، تعمقت التصدعات بين قطر وجيرانها، وذلك في ظل المقاطعة الاقتصادية والسياسية التي تقودها كل من الإمارات والسعودية ضد قطر عقب سنوات من التذمر من السياسات الإقليمية القطرية. هذه الأزمة الدبلوماسية لها من دون شك تداعيات واسعة النطاق على المنطقة، لكن يبقى السؤال مطروحاً: ما هو مداها الحقيقي وكم ستستغرق من الوقت؟

وبعيداً عن منطقة الخليج، شهدت ثلاث دول في غرب آسيا وشمال إفريقيا، وهي إيران والجزائر وتركيا، انتخابات وعملية استفتاء عززت سلطة الحكومات القائمة فيها، لكنها سلطت في الوقت ذاته الضوء على أهمية الاعتبارات الاقتصادية فيما يتعلق بالأمن القومي، وهو ما أكدته زيارة ترامب إلى السعودية، وتركيز مصر على استقرار اقتصادها، وجهود إيران لجذب المستثمرين. فهل سيكون الاقتصاد بمثابة فرصة ذهبية أم متاهة بالنسبة لهذه الدول؟

من ناحية أخرى، تعد الصناعة العسكرية المتنامية في الإمارات مثالاً على التنويع الاقتصادي الذي ينبغي أن يدفع الشركات العاملة في هذا القطاع إلى إعادة التفكير في علاقاتها التقليدية مع أبوظبي. أمَّا على نطاق أوسع، فإن دول المنطقة ستكون مطالبة بالتصدي للتحديات التي تقف عائقاً أمام إتمامها لمشاريع الطاقة النووية التي ستمكنها من تنويع محافظها للطاقة النووية.

وبهذا نستخلص أن دول المنطقة ما زالت تواصل كفاحها من أجل تحقيق التنويع الاقتصادي والتنمية المستدامة في نفس الوقت الذي تجد نفسها فيه مضطرة للتعامل مع حالة الغموض السائد والتوترات المتزايدة إقليمياً.

تم اختتام الأعمال البحثية الخاصة بإعداد هذا التقرير في 25 يونيو 2017.