العدد الأول

ضمن هذا العدد
تحميل العدد

واصلت الدول المصدرة للنفط في منطقة غرب آسيا وشمال إفريقيا على مدى الشهور الثلاثة الأخيرة في إدخال تغييرات هيكلية على اقتصاداتها. ورغم الارتفاع الطفيف الذي عرفته أسعار النفط منذ بدء الربع الرابع، لا تزال دول المنطقة ماضية قدماً في مشاريعها الهادفة إلى تنويع مصادر الدخل وتقليص ميزانياتها المتضخمة.

وعلى الصعيد السياسي، فإن سياسات التقشف لم تكن سوى انعكاساً للتراجع الاقتصادي المتواصل. وفي حين ظلت نقاط التوتر بين الخصوم التقليديين على حالها دون تغيير، نلاحظ تناقص حدة المزايدات الكلامية في مؤشر على بعض من الإرهاق المتنامي والناتج عن فترة غير قصيرة من الاستماتة في الندية والتنافس على جميع الجبهات. ومع ذلك يلاحظ أنه فيما تفضل بعض الدول النأي بنفسها، تسعى أخرى لملء الفراغ.

وفي مواجهة القوات الإقليمية التي تحظى بدعم عسكري واستراتيجي كامل من المجتمع الدولي، خاصة من قِبل الولايات المتحدة، تبرز تغييرات ملحوظة في تنظيم «داعش» (أو ما يسمى بتنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام) على مستوى هويته وهيكله التنظيمي. وإذا كان يبدو من الممكن إلحاق الهزيمة بهذا التنظيم الإرهابي، خصوصاً في تشكيلته الراهنة، فإن المدة التي سوف تستغرقها عمليات التحالف والكيفية التي سوف يتفشى بها التنظيم داخلياً وإقليمياً غير معروفة.

إن الصراعات الإقليمية والإجراءات التقشفية وانعدام المساواة الاجتماعية قد أضحت تداعياتها الإنسانية أكثر وضوحا في الأشهر الأخيرة، فيما برزت تساؤلات جادة متصلة بالدمار الهائل الذي خلفه تنظيم «داعش»، خصوصاً بعد استرجاع مدينة سرت الليبية من قبضة التنظيم والنزوح البشري الكبير القادم من شمال العراق.

الاتجاهات السائدة

يعتبر التقدم المحقق في القتال الجاري لتشديد الخناق على «داعش» في سوريا والعراق وليبيا بدعم من التحالف الدولي أبرز تطورات المنطقة. يُذكر أن هذه المعارك ضد التنظيم تقودها محلياً تنظيمات موازية لم تكن موالية دائماً للحكومات المركزية في تلك الدول. وقد بدأ بعض اللاعبين المؤثرين إقليميا ومحليا بالاستعداد لاستغلال الفراغ الحاصل في السلطة، فيما يواصل المجتمع الدولي تقديم دعم مادي واستراتيجي مهم. هنا نستكشف المعركة المتواصلة ضد التنظيم الإرهابي ومتغيرات الساحة السياسية الإقليمية، كما نلقي نظرة على البيئة الاقتصادية الصعبة في المنطقة والأثر الإنساني العميق الذي يخلفه الصراع.

الدول

يعمل رئيس الوزراء التونسي الجديد على استغلال الاهتمام الدولي بالتجربة الديمقراطية الفتية في بلده من أجل حشد الاستثمارات والمساعدات الخارجية العاجلة. وبينما تظل التفاوتات الاقتصادية والسياسية متجذرة في البلاد، لا تزال مسألة الأمن مصدر قلق رئيسي.

وقامت المملكة العربية السعودية من جانبها بتخفيض النفقات غير الضرورية كما تنتهج برنامجاً نشيطاً لتنويع مصادر الدخل القومي. واتخذت قيادة المملكة عدداً من الخطوات لجذب الاستثمارات الأجنبية مع إيلاء اهتمام كبير لقضية البطالة بين الشباب والحرب الدائرة في اليمن.

أما في سوريا، فجميع الأنظار اتجهت صوب حلب، حيث تمكنت الحكومة في دمشق، بدعم عسكري من طهران وموسكو، من استرجاع الجزء الشرقي من المدينة من سيطرة قوات المعارضة في أواخر شهر ديسمبر. وليس هناك أي جانب مشرق في هذه الحرب التي طال أمدها، خاصة بعد بلوغ عدد القتلى مئات الآلاف وفشل جميع جهود التفاوض.

الدراسات المعمقة

في ظل تصويت الشعب البريطاني لصالح الانسحاب من الاتحاد الأوروبي، فإن دول مجلس التعاون الخليجي يمكنها أن تستفيد من انخفاض قيمة الجنيه الاسترليني للاستثمار في المملكة المتحدة واستقطاب الكفاءات والمواهب منها. بالمقابل فإن تدهور قيمة الجنيه الاسترليني قد يؤدي إلى مخاطر حقيقية منها انخفاض التدفقات المالية نحو دول الخليج، لاسيما في قطاعات السياحة والضيافة والعقار.

أما فيما يخص الاستدامة، فإن صناع السياسات في المنطقة سيحسنون صنعاً بإيلاء مزيد من الاهتمام لمسألة الأمن الغذائي نظراً لانعكاساتها على كل من الأمن الوطني والاستقرار السياسي والاجتماعي والنمو الاقتصادي. ومن أجل ضمان أمنها الغذائي، يمكن لدول منطقة غرب آسيا وشمال إفريقيا الاستفادة من تطوير شراكات حقيقية بين القطاعين العام والخاص في سبيل إيجاد حلول مبتكرة لهذه القضية الحيوية.

الحرب ضد «داعش»

المعركة في سوريا وليبيا والعراق

أخذت مواجهة «داعش» خلال الربع الأخير من سنة 2016 منحى متسارعاً في مختلف مناطق غرب آسيا وشمال إفريقيا. فبعد شهور من الاستعدادات، تحركت حشود القوات الإقليمية المدعومة من طرف التحالف المناهض لـ«داعش»، المكون من 68 عضواً، من أجل استرجاع الأراضي التي يسيطر عليها التنظيم.

في ليبيا، قادت المعركة من أجل استرجاع سرت قوة كانت تضم، في أوجها في أغسطس 2016، آلاف المقاتلين من مئات الميليشيات التي تجمع بينها تحالفات هشة، معظمها من مدينة مصراتة المجاورة. وبعد تقدم مجموعات تدعمها حكومة الوفاق الوطني في الصيف إلى داخل المدينة ونواحيها، تم تشديد الخناق على مقاتلي تنظيم «داعش» قبل التغلب عليهم و طردهم من منطقة الجيزة البحرية.

أما شرقاً في سوريا، أطلقت "قوات سوريا الديمقراطية" التي تساندها الولايات المتحدة الأمريكية عملية "غضب الفرات" لاسترجاع مدينة الرقة. وبحلول شهر ديسمبر، كانت هذه القوات المؤلفة من 30 ألف عنصر قد تمكنت من تطهير مقاتلي «داعش» من مناطق تقع على بعد 24 كيلومتر شمال المدينة و 50 كيلومتر غربها.

وفي العراق، تمكنت القوات المدعومة من طرف الحكومة من الدخول إلى الموصل، غير أنها واجهت تحدياً صعباً خلال المعارك التي خاضتها في شوارع المدينة ومنازلها، وهي المعارك التي كان تنظيم «داعش» قد استعد لها منذ اجتياحه للمدينة سنة 2014.

الآن وقد تحطمت معظم تطلعات «داعش» لبناء دولة تمتد عبر دول المنطقة، تحول التنظيم إلى حركة ارهاب فنائية ليس لديها ما تخسره.



الدعم الأمريكي بات محورياً
إن معظم هذه الهجمات الإقليمية تتم بإشراف القيادة الاستراتيجية الأمريكية: فالتقدم داخل سرت تم تحت غطاء الغارات الجوية الأمريكية، كما أن آثار التدخل الأمريكي باتت أكثر وضوحاً في العراق وسوريا. وتستفيد قوات البشمركة الكردية، وقوات الأمن العراقية، إضافة إلى "قوات سوريا الديمقراطية" من الأسلحة والخبرات الاستشارية والغارات الجوية الأمريكية، إضافة إلى المعلومات الاستخبارية من جبهات القتال وإليها.

في الموصل، وبغض النظر عن الميليشيات الشيعية العراقية التي تدعمها إيران،  فالعلاقات الإيجابية التي تجمع بين الولايات المتحدة وعدد من الوحدات التي تنشط في المدينة، والتي تضم ما يقارب 20 ألف مقاتل، من شأنها أن تجعل التأثير الأمريكي مهماً على سير المعارك. وهو أمر في غاية الأهمية وإن لم يكن يحظى بالمتابعة والاهتمام اللازمين.

المصدر: معهد دراسة الحرب، 2016

جائزة محلية لفائزين عدة
لقد تم الترويج محلياً للقتال من أجل السيطرة على الموصل وسرت على أنه وسيلة لتمكين الحكومة الإقليمية في كلتا المدينتين، حيث إن بغداد وطرابلس اعتبرتا تراجع «داعش» نصراً كبيراً لهما. لكن في كلتا الحالتين لم تُحكم السلطة المركزية قبضتها بالكامل على القوات في أرض الميدان.

وتجلى هذا الأمر في ليبيا أكثر من غيرها، رغم أن حكومة الوحدة في طرابلس كثيراً ما تزعم أنها خططت وأدارت المعارك في سرت، إلا أنها بالكاد مارست سلطتها. إضافة إلى ذلك، ترفض الميليشيات التي شاركت في المعارك الاعتراف بمشروعية حكومة الوفاق ، كما خاضت معارك منفصلة بغرض تحقيق مكاسب شخصية أو قبلية، أو لكسب ود الدول الغربية الداعمة للحملة العسكرية.

وينطبق الأمر ذاته على العراق، حيث إن المعارك من أجل الموصل تخوضها مجموعة من القوى التي تتلقى أوامر مختلفة من أطراف متعددة بل متعارضة في بعض الأحيان. ومن جهتها، تسيطر قوات البشمركة على الأراضي الواقعة شمال الموصل، إذ تتلقى تعليماتها العسكرية بشكل صريح من قادتها السياسيين. وهنا لا يسع الحكومة المركزية في بغداد سوى تنسيق المعارك .


"وبالتالي، فرغم أن الحملة العسكرية ضد «داعش» كان بإمكانها أن تكون مفتاحاً لتجاوز الصراعات السياسية الإقليمية،إلا أن التحالفات ظلت في معظمها ثابتة، كما أن التوترات لا تزال قائمة في المنطقة."

في جنوب الموصل وحتى داخل أسوار المدينة، تقود قوات الأمن العراقية المعارك، غير أن حجمها ومعدل استنزافها قد يفتحان المجال أمام "قوات الحشد الشعبي" من أجل الاضطلاع بدور أكبر. وقد كانت هذه الأخيرة، التي ترتبط قيادتها بإيران، طرفاً محورياً في القتال من أجل استعادة الموصل. وقامت هذه القوات المستقلة كلياً عن الحكومة المركزية بقطع خطوط الإمدادات من الغرب، كما يحتمل أن تسترجع أراضي شاسعة شمال الموصل.

وفي ظل وجود البشمركة و"قوات الحشد الشعبي"، فإن دور بغداد في استرجاع الموصل، وتأثيرها على من سيتحكم في زمام الأمور فيما تبقى من المدينة ذات الأغلبية السنية والبلدات المجاورة لها، سيعتمد على ما إذا كانت باقي الأطراف على استعداد للتعاون وعلى كيفية هذا التعاون.

وبالتالي، فرغم أن الحملة العسكرية ضد «داعش» كان بإمكانها أن تكون مفتاحاً لتجاوز الصراعات السياسية الإقليمية، الا أن التحالفات ظلت في معظمها ثابتة، كما أن التوترات لا تزال قائمة في المنطقة.

التوترات الطائفية تحت السطح
رغم فورات الغضب المتكررة في العلن بين إيران وجيرانها السُّنة، فإن هذه التوترات الطويلة الأمد نادراً ما تظهربشكل مباشر لكن هذا التوتر المزمن يتواصل على شكل معارك بالوكالة تدور رحاها في مختلف أرجاء المنطقة. وفي الآونة الأخيرة، برزت هذه التوترات، إضافة إلى الصراع الجيوسياسي الذي يخوضه كل طرف من أجل التفوق على الطرف الآخر، في انتخاب الرئيس اللبناني ميشال عون بدعم من حزب الله، علماً أن عون كان معادياً لسوريا خلال الحرب الأهلية اللبنانية.

وحتى إن لم يكن دور الرئيس في لبنان تنفيذيا، فإن انتخاب عون لا يخدم مصالح السعودية، بل إنه يدعم قرار الرياض بالانسحاب من البيئة السياسية الداخلية في لبنان، والتي تتسم بطائفيتها المتجذرة وتعقيدها الشديد. ومع أن قراراً كهذا من شأنه تعزيز موقف حزب الله وإيران على المدى القريب، تظل السعودية فاعلاً مهماً في توازنات القوة وممولاً حيوياً بالنسبة للعديد من الشخصيات والشركات اللبنانية. ويدرك عون الذي قَبِل مؤخراً دعوة لزيارة المملكة مدى أهمية إصلاح العلاقات. وعلى هذا الأساس، عادة ما يظهر نمط تتفوق فيه السعودية في فترات يسودها السلم والنظام، بينما تكون الأفضلية لإيران خلال فترات الحروب وانعدام الاستقرار.

وقد دفع تقليص الإنفاق التقديري وعبء تكاليف الحرب في اليمن المسؤولين السعوديين إلى إعادة تقييم المساعدات الممنوحة إلى الشركاء الإقليميين. وتشير التقارير إلى أن المساعدات المقدمة إلى السلطة الفلسطينية قد تم تجميدها، كما أنه في شهر نوفمبر، وبعد أيام من تصويت مصر ضد قرار لمجلس الأمن التابع للأمم المتحدة القاضي بإنهاء الغارات الروسية على حلب، أوقفت المملكة صفقة مساعدات بقيمة 23 مليار دولار للقاهرة إلى أجل غير مسمى. ونظراً لعدم رضاها عن مردود استثماراتها في شركائها الإقليميين، قد تعمد الرياض إلى تبني سياسة خارجية أكثر واقعية.

تركيا تميل في اتجاه العراق
حين تندلع الصراعات، تتراجع بعض القوى الإقليمية فيما تلعب قوىً أخرى ادوراً أكثر هجومية. فعلى سبيل المثال، مع تحسن العلاقات التركية مع روسيا ودول مجلس التعاون الخليجي وإسرائيل بشكل واضح، أصبح الرئيس رجب طيب أردوغان في موقف أكثر قوة يخول له إطلاق عمليات على الحدود مع سوريا والعراق.

وطوال العام الماضي، في سوريا، استهدفت تركيا الجماعات الكردية المتجهة نحو غرب الفرات. أما في العراق، فقد دعمت قوات البشمركة الكردية، و شنت غاراتها على قوات حزب العمال الكردستاني، كما وجهت تحذيراتها للميليشيات الشيعية، وهو الموقف الذي أثار خلافاً بين أنقرة وبغداد حول العمليات المناهضة لـ«داعش» شمال العراق، خاصة في محافظة نينوى.

لهذا، يتضح أن تركيا قد ارتأت أن تتبنى موقفاً حاداً حمايةً لمصالحها الوطنية.

ونظراً للتقدم الذي حققته قوات البيشمركة الكردية و"قوات الحشد الشعبي" وقوات الأمن العراقية في هجومها المنسق، شهدت المحادثات بين أنقرة وبغداد ارتفاعاً في وتيرتها، حيث يسعى أردوغان إلى  التدخل العسكري المباشر للقضاء على التواجد العسكري لـ"حزب العمال الكردستاني" شمال العراق وحماية التركمان العراقيين الموجودين بالقرب من الحدود التركية. وقد دفع مؤخراً تصريح أردوغان حولالمسؤولية التاريخية لتركيا تجاه العراق، بالإضافة إلى تمركز الجنود الأتراك على الأراضي العراقية، رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي إلى وصف التوغلات التركية على أنها هجوم على"كرامة العراق".

وفي حال اشتدت حدة هذه التوترات، فإن العمليات الموجهة ضد تنظيم «داعش» المدعومة من قبل الولايات المتحدة، والتي نجحت لحد الآن في  التوسط بين الدولتين، قد تتعرض للخطر. وفي حال تم طرد «داعش» من شمال العراق، لن يتعين على بغداد فقط التعامل مع مطالب الفئات المهمشة والمحرومة من حقوقها، وإنما سيكون عليها كذلك تتبع تحركات الميليشيات الشيعية والتوسع الكردي في المنطقة وأيضاً رغبة أنقرة الجامحة في الاضطلاع بأدوار أكثر أهمية.

ما بعد «داعش»
وسط التركيز الدولي المباشر على المعارك من أجل استرجاع الموصل، من الواجب التفكير ملياً في العلاقات بين الطوائف والحوكمة المحلية في العراق. ماذا سيحدث بعد نهاية المواجهة مع «داعش»؟ من سيحكم مناطق البلاد السنية وكيف؟ فحتى الآن لم يتم إيلاء أهمية كبيرة لاستراتيجية فعالة وموازية للمعركة العسكرية فيما يخص رأب الصدوع الاجتماعية وضمان الحوكمة الجيدة ما بعد «داعش».


"لن يتم احتضان المتعاطفين مع «داعش» إلا في مناخ يمكن تلك الفئات المحلية من ممارسة حقوقها وشعورها بالمساواة. وستقوم القبائل والمجالس المحلية، أو مجموعة من الأسر المحلية والعشائر بدور محوري في حماية المجتمع من عودة ظهور الحركات المتطرفة."

والأمر ذاته ينطبق على ليبيا فيما يتعلق بطرد «داعش» من مدينة سرت الساحلية من قِبل ميليشيات مصراتة، إلا أن القبائل الكبرى، خاصة القذاذفة وورفلة التي حكمت المدينة في الماضي، لطالما عارضت أي تدخل من مصراتة، وقد يتطور هذا التوتر إلى وضع أسوأ خلال فترة ما بعد «داعش».

كما يجب النظر إلى الديناميات المحلية والقبلية كوسيلة لفهم طريقة تعامل الفئات السكانية في مناطق معينة مع الحكومة المركزية، خاصة بعد نهاية أية حرب أهلية. وتعد العراق خير  مثال تاريخي على قدرة جماعة متطرفة على استغلال فراغ السلطة والعودة مجدداً بعد هزيمتها عسكرياً. وعلى أية حال، لن يتم احتضان المتعاطفين مع «داعش» إلا في مناخ يمكن تلك الفئات المحلية من ممارسة حقوقها وشعورها بالمساواة. وستقوم القبائل والمجالس المحلية، أو مجموعة من الأسر المحلية والعشائر بدور محوري في حماية المجتمع من عودة ظهور الحركات المتطرفة.

أزمة إنسانية ضاربة في العمق
يجب على الدول الرازحة تحت ضغط القتال التصدي للأزمات الإنسانية الناجمة عن الصراع.

في الربع الأخير من العام المنصرم، باتت تداعيات الحروب الطويلة الأمد أكثر حدة في مختلف أنحاء منطقة غرب آسيا وشمال إفريقيا. حيث خلفت الحرب الأهلية في سوريا على مدى ست سنوات 6.3 مليون حالة نزوح داخلي و 4.8 مليون لاجئ وأودت بحياة ما أكثر من 400 ألف شخص. ومع فرار آخر من تم إجلاؤهم من حلب وتوجه التحالف المناهض لـ«داعش» نحو الرقة، لا يبدو أن نهايةً مرتقبةً لتداعيات الحرب في سوريا، التي ترخي بظلالها على الأجيال، تلوح في الأفق.

أما في اليمن، فقد بلغ الوضع الإنساني مستويات حرجة على مدى الأشهر الثلاثة الماضية وسط تقارير تفيد بتفشي وباء  الكوليرا والمجاعة علاوة على الانهيار التام لشبكة خدمات الأساسية التي كانت غير متطورة من الأساس. وبسبب تسديد الأجور بشكل متقطع، لم تعد لدى المواطنين القدرة الشرائية لاقتناء المواد الغذائية الأساسية. وباعتبارها أفقر دول منطقة غرب آسيا وشمال إفريقيا، تضم اليمن الآن أكثر من 14 مليون شخص غير مؤمن غذائياً و320 ألف طفل يعاني من سوء التغذية.


وبالطبع فهنالك العبء الإنساني الناجم عن الاقتطاعات من الميزانية والإصلاحات المتعلقة بالدعم والقطاع العمومي المتقلص بعد انتهاء الصراع.

وفي مصر، ينعكس تزايد العجز، وكذلك التدابير التقشفية، على الوضع العام في البلاد. كما أضرت الهجمات الإرهابية على مواقع سياحية بالقاهرة التي تعتمد على مساعدات الحكومات الإقليمية الداعمة، مما أدى إلى انخفاض الثقة في السوق المصرية وأضعف قدرتها على جذب الاستثمارات الأجنبية. ونظراً لنضوب خزائن البنك المركزي وارتفاع معدل التضخم بوتيرة سريعة، قامت القاهرة بتفعيل  حزمة من السياسات التي يرعاها صندوق النقد الدولي محاولةً منها لاستعادة ثقة الأسواق الدولية، وفي غضون أسابيع قليلة، ألغي الدعم الحكومي عن الوقود والضوابط المتعلقة بالنقد. وبالتالي، فإن ما بدأ في شكل ضائقة مالية قد تحول إلى أزمة اجتماعية.

بينما تواجه هذه الدولة – التي تعتبر أكبر دولة في منطقة غرب آسيا وشمال إفريقيا من حيث عدد السكان – تحديات اجتماعية-اقتصادية حقيقية، يكتفي جيرانها بمراقبة الوضع. فالمصريون سيعانون على المدى القصير من ضعف شديد في سعر الجنيه وارتفاع مفرط في الأسعار على جميع المستويات. غير أن صناع القرار يأملون على المدى المتوسط والطويل أن يتمكن الاقتصاد من جذب عدد أكبر من الاستثمارات. علاوة على ذلك، فالمنحى الذي اتخذته العملة المصرية يحمل دروساً للحكومات الإقليمية المتأنية في التصدي للاحتياطات المتضائلة والضرائب الحكومية المتدنية أو المعتمدة بشكل كبير على بعض القطاعات الاقتصادية.

الاقتطاعات من الميزانية والصمود في وجه ردود الفعل
في ظل  اتفاق منظمة «أوبك» التاريخي الذي أبرم في ديسمبر، أصبح سعر البرميل الواحد أكثر من 50 دولاراً، وهو أعلى مستوى له منذ سنتين. لكن الدول المصدرة للنفط في منطقة غرب آسيا وشمال إفريقيا فرضت، في الربع الأخير من سنة 2016، ضرائب ورسوماً جديدة وقامت باقتطاعات من نفقات القطاع العام وبرامج الدعم، ما أدى إلى تهدئة الأسواق المالية بعد عام على انهيار أسعار النفط العالمية، إذ شرعت الاقتصادات الإقليمية بالتكيف مع الوضع.

وزير الطاقة الروسي ألكسندر نوفاك ونظيره السعودي خالد الفالح في اجتماع لمنظمة «أوبك» في فيينا بالنمسا في 30 نوفمبر 2016 . هاينز- بيتر بايدر/ «رويترز»/«فوكل ميديا»

ومن ناحية أخرى، تستمر الحكومات المصدرة للنفط في الاقتراض بشكل مكثف من الأسواق العالمية. فمثلاً، في 19 أكتوبر، تمخض عن إصدار السعودية سندات دولية للمرة الأولى بيع  17.5 مليار دولار من السندات الحكومية، وهو ما يعتبر أكبر عملية بيع سندات سيادية تم تسجيلها في سوق ناشئة. ومن جهتها، باعت كل من قطر والبحرين والكويت والإمارات سندات أجنبية واتحادية خلال سنة 2016. وبينما تتم دراسة مشاريع ضريبية مكلفة، أدرجت الدول المصدرة للنفط رسوماً جديدة وفرضت ضرائب منتقاة: فقد ارتفعت الرسوم البلدية في السعودية، أما الجزائر فقد جمدت أجور القطاع العام وفرضت زيادة في الضرائب على المبيعات والنفط والتبغ.

واتسمت ردود الفعل إزاء هذه الاقتطاعات بالتنوع ، ففي دول مجلس التعاون الخليجي، عبّر الكويتيون عن امتعاضهم عبر صناديق الاقتراع. ونجحت المعارضة التي تمحور برنامجها الانتخابي حول تدابير مناهِضة للتقشف في  حصد 24 مقعد من أصل 50 في الانتخابات التشريعية – وهو ما يمثل أكبر تغيير في المقاعد البرلمانية على مدى الاستحقاقات الانتخابية التي شهدها تاريخ البلاد. أما السعوديون فقد أبدوا استياءهم من خلال تداول صور ساخرة حول الوضع المالي. وفي شمال إفريقيا، كانت ردة الفعل أكثر صخباً حيث قامت منظمات المجتمع المدني في كل من تونس والجزائر بالإضراب احتجاجاً على مشاريع قوانين برلمانية تنص على اقتطاعات في النفقات وتجميد الأجور.

وأمام المأزق المالي الذي تواجهه الحكومات، لم تسنح لها الفرصة الكافية لدراسة التداعيات الاجتماعية للتدابير التقشفية والإصلاحات التي تقوم بها.

الموارد المالية: سلاح حربي
تعتبر الدول الإقليمية المشاركة في النزاعات الموارد المالية من الأمور الحاسمة. ففي محاولة منه لتشديد الخناق على حلف الحوثي والرئيس السابق علي عبد الله صالح، نقل الرئيس عبد ربه منصور هادي مقر البنك المركزي من صنعاء إلى عدن. وفي ظل الأزمة المالية التي يخيم شبحها على الحلف، بدأت أصوات الاحتجاجات تتعالى في صنعاء.

وفي ليبيا، تستمر المعارك حول توزيع عائدات النفط. رغم استحواذ الجيش الوطني الليبي تحت قيادة المشير خليفة حفتر على الهلال النفطي في ليبيا، فإنه لا يسيطر على البنك المركزي الذي يوجد في طرابلس والذي يتلقى عائدات النفط. وفي الوقت الذي يعمل فيه حفتر بالتعاون مع المؤسسة الوطنية للنفط على زيادة الإنتاج الليبي، لا شك أنه سيسعى إلى استغلال مكانته العسكرية لتحقيق مكاسب سياسية.

وفي مجمل القول، تواجه منطقة غرب آسيا وشمال إفريقيا رياحاً معاكسة قوية مع استمرار انخفاض أسعار النفط. وبعبارة أخرى، صحيح أن الدول بدأت تتأقلم مع هذا الواقع، لكن لم يعد لديها سوى القليل من المال لتنفقه.

اقليميا، تزيد سياسة الانكفاء والسياسات الأكثر واقعية من احتدام التوترات بين القوات المتجاورة. وفي حين لا تزال نقاط التماس قائمة، قد تشير المحادثات بين بعض الكيانات وغياب بعض الأصوات إلى تزايد الشعور بالإرهاق في صفوف الجهات المتصارعة على جميع الجبهات. على الرغم من ذلك، وبينما تخفت بعض الأصوات، تسعى أصوات أخرى لملء الفراغ.

في الوقت الذي تسير فيه حرب جيلية ضد «داعش» بخطى حثيثة نحو تحقيق النجاح على المستوى العملياتي، نجد أن الفرق المتنافسة قد شرعت أصلاً في المطالبة بالغنائم التي قد تنجم عن هذا الانتصار.

يركز هذا الجزء على أحدث التطورات في تونس والسعودية وسوريا. فقد انطلقت الحكومة التونسية الجديدة في تفعيل اجراءات تقشفية في الوقت الذي تستغل فيه النظرة الدولية المتعاطفة من أجل استقطاب موارد استثمارية جديدة. من جانبها تسعى السعودية بشكل خلاق إلى تقليص العجز الحاصل جراء انخفاض عائداتها النفطية، في الوقت الذي يقوم فيه قادتها بالعمل على تنويع مَحافظها الاستثمارية وزيادة مصادر الدخل واحتواء الحرب الدائرة في اليمن. أما في سوريا، ومع اقتراب نهاية المعركة في حلب، لا يبدو أن المعارضة المنظمة ينتظرها مستقبل مشرق.

تونس

تمويل الديمقراطية الفتية

لا تزال العوامل الكامنة وراء سنوات من انعدام الاستقرار السياسي والاجتماعي والضيق الاقتصادي وانعدام الأمن العام قائمة في تونس. حيث إنه لم يتم التصدي بفعالية أو جذرياً للعلاقة السببية بين التهميش الاقتصادي والتطرف، كما أن شبكات الدولة العميقة تستمر في تعطيل التحول الاقتصادي والاجتماعي، وقد يقع هذا التحول الضروري تحت ضغوط أكبر بسبب إقرار الإجراءات التقشفية الجديدة.

"نظراً لعدم تمكن الحكومات المتعاقبة ما بعد الثورة من الاستجابة للتطلعات الشعبية أو إرساء الإصلاحات الضرورية على أرض الواقع، لا يزال المخاض الديمقراطي التونسي مستمراً."

لذلك، ونظراً لعدم تمكن الحكومات المتعاقبة ما بعد الثورة من الاستجابة للتطلعات الشعبية أو إرساء الإصلاحات الضرورية على أرض الواقع، لا يزال المخاض الديمقراطي التونسي مستمراً، ما أدى إلى ظهور تحديات اقتصادية وتهديدات أمنية زادت من حدتها الفوضى التي تخيم على الجارة ليبيا.

ومع ذلك، فإن بناء مؤسسات ديمقراطية وشراكات سياسية بين أطراف ذوي أيديولوجيات متباينة وفتح حوار مع المجتمع المدني يبقى حالة فريدة من نوعها في المنطقة. فشباب تونس المثقف والنشط يُعد عنصراً مهماً للنمو الاقتصادي البعيد المدى وسيستفيد من الإصلاحات الحكومية، التي لم يتم تطبيقها بعد، والتي ستدعم المنافسة والولوج الأفضل للموارد.

تونس في حالة طوارئ مستمرة
في الوقت ذاته لا تزال حالة الطوارئ التي أُعلن عنها لأول مرة في يوليو 2015 مستمرة، كما تظل مكافحة الإرهاب على رأس الأولويات الوطنية.

لقد أثر القرب من ليبيا، وهو نقطة ضعف لتونس، على الأمن الداخلي للبلاد. ونظراً لتشديد الخناق على مقاتلي «داعش» في المدينة الليبية الساحلية سرت، فإن الكثيرين يخشون عودة  مجموعة كبيرة من المقاتلين التونسيين إلى وطنهم، ما دفع الرئيس التونسي الباجي قائد السبسي إلى إصدار تحذير عبر وسائل الإعلام حول عواقب عودتهم. وعلى سبيل المثال، تراقب القوات الأمنية عن كثب مدينة بنقردان التي تقع على بعد 30 كلم من الحدود المرتبطة تاريخياً بالجماعات المتطرفة. وقد داهمت القوات الأمنية مؤخراً ثلاث مخابئ للأسلحة تضم أسلحة كلاشنكوف وصواريخ وألغاماً.

ورغم امتداد الصراع، فإن رغبة تونس في البقاء على الحياد وعدم التدخل في الحرب الدائرة في ليبيا لم تتغير. وقد كشف إنكار وزارة الدفاع الشديد  للتقارير التي أفادت بقيام طائرات أمريكية بدون طيار بطلعات جوية من قاعدة تونسية سرية عن مقاومة الحكومة للتدخل المباشر في المستنقع الليبي أو حتى التفكير فيه. غير أنه بعد شهر واحد، أكد السبسي في نوفمبر 2016 وجود هذه الطائرات مشيراً إلى أنها ليست سوى وسيلة لحماية حدود تونس ومراقبتها – وأنها لا تهدف إلى شن هجمات على ليبيا.

وبينما لا تزال تونس في حالة استنفار قصوى، يبدو أن قدرتها على الصمود قد تحسنت بشكل ملحوظ. فبعد توقيع معاهدات مهمة مع حكومات متعاونة، تعمل المؤسسات الأمنية  جنباً إلى جنب مع القوات المسلحة الأمريكية والألمانية والبريطانية والفرنسية والجزائرية.

القيادة الجديدة والقرارات (الصعبة) ذاتها
في الوقت الذي تقاوم فيه الرياح التي تهب من جارتها الليبية التي تشهد انعدام استقرار متزايد، تجد تونس نفسها أمام مشهد سياسي دائم التغير. ففي أغسطس 2016، أصبح يوسف الشاهد رئيساً للوزراء وهو  سابع رئيس للحكومة تم تعيينه خلال أقل من ست سنوات. وتتلقى حكومته دعماً سياسياً من حزب "النهضة" ذي التوجه الإسلامي وكذلك من حزب "نداء تونس" ذي التوجه العلماني. وقد منح اتفاق تشارك السلطة هذا، بشكله الحالي، للشاهد الحرية لتطبيق وفرض تغييرات هيكلية مهمة.

تأكيداً على ذلك سعى الشاهد في الربع الأخير من سنة 2016 إلى تعزيز دوره في عملية صنع القرار والاستفادة من رصيده السياسي لتمرير إصلاحات اقتصادية ضرورية رغم صعوبتها. ومع وجود قروض صندوق النقد الدولي والبنك الدولي على المحك وتردد المستثمرين الأجانب في ولوج السوق التونسية، يخضع التقدم الذي يحرزه الشاهد  للمراقبة عن كثب.

ولا يزال وضع الاقتصاد التونسي هشا، فنسبة البطالة في البلاد تبلغ حوالي  15%، وتبلغ النسبة أكثر من ضعف هذا المعدل في المناطق القروية، كما تراجعت السياحة بنسبة تتجاوز الثلث منذ سنة 2014، العام الذي سبق الاعتداء الذي استهدف متحف "باردو" و أودى بحياة 21 سائحاً.

وتبلغ الديون الخارجية لتونس  27 مليار دولار، أو ما يعادل 69% من الناتج المحلي الإجمالي. ومن المتوقع أن يتم تسديد دفعة من الديون الخارجية بقيمة 3 مليارات دولار في سنة 2017. علاوة على ذلك، فإن معدل النمو الاقتصادي السنوي يناهز 1.5% منذ سنة 2011.

اعتماد ميزانية صعبة وجذب الاستثمار الأجنبي
يتطلب تحسين الوضع الاقتصادي اتخاذ إجراءات صعبة، فعلى الصعيد الداخلي وفي إطار ميزانيتها، سعت الحكومة إلى الوصول إلى اتفاق مع المجتمع المدني حول حزمة من الإصلاحات المالية. أما على الصعيد الخارجي، تسعى الحكومة إلى جذب الاستثمار الأجنبي.


"خاصة فيما يتعلق بفرض زيادتين ضريبيتين وتغيير جزئي في خطط تجميد تسديد أجور القطاع العام، عززت اعتماد الميزانية العامة مكانة الشاهد وقدرته على تحقيق التوافق وصنع قرار."

ولعل أبرز العراقيل التي واجهت برامج الإصلاح تكمن في وجود نقابات عمالية قوية تشمل على وجه التحديد "الاتحاد العام التونسي للشغل" و"الاتحاد التونسي للصناعة والتجارة والصناعة التقليدية". إلا أنه من خلال التفاوض مع النقابات بشأن إيجاد حل وسط، خاصة فيما يتعلق بفرض زيادتين ضريبيتين وتغيير جزئي في خطط تجميد تسديد أجور القطاع العام، عززت اعتماد الميزانية العامة مكانة الشاهد وقدرته على تحقيق التوافق وصنع قرار.

وقد أدى تمرير الحكومة لقانون مالي ضعيف برسم سنة 2017 إلى زيادة الضرائب المفروضة على الشركات وتجميد التوظيف في القطاع العام، ما عدا الوظائف الخاصة بقوات الأمن، وأدرج قواعد مالية جديدة لمنع التهرب الضريبي. ومن المحتمل أن تساعد هذه الميزانية في نهاية المطاف على إعادة بناء ثقة المستثمرين في المؤسسات الاقتصادية التونسية. وبالرغم من أنها "كانت أكثر الميزانيات إثارة للجدل في تاريخ البلاد"، فقد صرح الشاهد في أواخر نوفمبر بأن الإصلاحات التقشفية ستساعد على خلق توازن في الموارد المالية العمومية للدولة.

ويسلط برنامج العمل المتنوع الضوء على عزم حكومة الشاهد على إخراج البلاد من ضائقتها الاقتصادية. فبهدف استقطاب التمويل الخارجي، شاركت الحكومة في  حملات ترويجية لجذب المانحين والمستثمرين في كل من واشنطن وبروكسل وباريس ولندن وروما. ومن أبرز الأحداث التي عرفتها الحملة الترويجية هو إطلاق المؤتمر الدولي للاستثمار"تونس 2020" في شهر نوفمبر، والذي قدم 82 مشروعاً بقيمة 18.9 مليار دولار في عدة مجالات لمستثمرين ومقرضين أجانب. وبالموازاة مع ذلك، أعلن البنك المركزي التونسي عن خطة لإصدار سندات يورو تصل قيمتها إلى مليار دولار في يناير 2017.



في الوقت الذي تُقبِل فيه تونس على جولتها التسويقية الدولية، ما تزال كل من فرنسا وقطر من الداعمين المحوريين لها. ففي الربع الأخير من سنة 2016، ألقى كل من رئيس الوزراء الفرنسي السابق مانويل فالس وأمير قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني  كلمات افتتاحية في فعاليات إطلاق مؤتمر "تونس 2020". وقد تعهد الشيخ تميم خلال المؤتمر بمنح مساعدات مالية قيمتها 1.3 مليار دولار، في حين أعلن فالس عن زيادة وكالة التنمية الفرنسية لمساهمتها السنوية التي تمنحها لتونس بما يقدر بـ261 مليون دولار.


تشمل قائمة كبار المساهمين كلاً من بنك الاستثمار الأوروبي والصندوق العربي للإنماء الاقتصادي والاجتماعي والسعودية والكويت وتركيا. وإجمالاً، التزم المانحون بتقديم مساعدات أو قروض تناهز قيمتها  14 مليار دولار لتونس، وهو ما يعادل ميزانية البلاد لسنة 2017.

ومن أجل إنعاش الاقتصاد على المدى القصير، استأنفت الحكومة إنتاج  الفوسفات بمستويات إنتاج سنة 2010 وقامت بتسوية النزاع الطويل مع واحدة من أهم الجهات التي تزود البلاد بالغاز. ولضمان الاستدامة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، ستحتاج الحكومة إلى تحقيق المزيد من هذه المكاسب السريعة إلى جانب برنامجها الإصلاحي الواسع النطاق.

معالجة التفاوتات بين الشباب وعلى المستوى الجغرافي

تهدف ميزانية الدولة لسنة 2017 إلى دعم صندوق لتحفيز ابتكارات الشباب وتطوير عقود توظيف بين القطاعين العام والخاص لتشجيع الشركات على إحداث فرص عمل للتونسيين العاطلين عن العمل. إلا أن شبكات المحسوبية القديمة العهد وثقافة الفساد السائدة تعرقل هذه الجهود. فبالنسبة للشباب، تقوض ممارسات الفساد الفرص الضئيلة أصلاً أمامهم. ويبلغ عدد التونسيين العاطلين عن العمل من الشباب الحاصلين على شهادات جامعية حوالي 32%، كما أن الحصول على القروض ورؤوس الأموال أمر صعب بالنسبة للفقراء أو أولئك الذين لا يملكون علاقات مع جهات نافذة، الأمر الذي انعكس في انعدام ثقة 95% من الشباب في الأحزاب السياسية.

ولا يزال الفقر وانعدام المساواة متجذرين وهيكليين، ولعل توزيع الناتج المحلي الإجمالي يوضح ذلك بشكل جلي، فقد ساهمت المدن السياحية المتمثلة في تونس العاصمة وسوسة وصفاقس بـ  85% منه. وتعد الفوارق الإقليمية بين هذه المدن المتقدمة والمناطق الداخلية الفقيرة من الأولويات الأساسية التي تتطرق لها خطط التنمية الاقتصادية.

المصدر: موقع شركة «تارغا» الاستشارية، 2012

لا تزال عوامل عدة، من قبيل قرب تونس من الصراع القائم في ليبيا والفوارق الاقتصادية الخطيرة التي تعرفها وديمقراطيتها الفتية التي لا تزال تتحسس موطئ قدميها بين شد وجذب، تعرقل مسار تونس نحو تحقيق النمو.

المملكة العربية السعودية

خطوات اقتصادية مدروسة في أوقات عصيبة

تملك المملكة العربية السعودية معدل دين منخفض بالنسبة للناتج المحلي الإجمالي وقاعدة استهلاكية داخلية كبيرة وقيادة عازمة على إدخال إصلاحات اجتماعية واقتصادية مهمة.

وتعد الاستثمارات في مجال التكنولوجيا وزيادة وضوح الرؤية الاقتصادية وفتح الأسواق أمام المستثمرين الأجانب من التوجهات الإيجابية التي اتخذتها السعودية. كما أضحت السياسة الخارجية للمملكة أكثر نضجاً، ولعبت قيادة ولي العهد الأمير محمد بن سلمان دوراً محورياً في سلسلة الإصلاحات المتواصلة.

إلا أن القلق بدأ يعتري المواطنين الذين استفادوا من الثروة النفطية لعقود بخصوص الوضع الاقتصادي الراهن والاقتطاعات المرتبطة به من الميزانية. علاوة على ذلك، أثرت الاجراءات التقشفية على علاقات المملكة مع شركائها الإقليميين.

اقتطاعات من الميزانية لا مناص منها
أصبحت آثار الاجراءات التقشفية جلية مع حلول نهاية سنة 2016، فقد  انخفض الإنفاق العام بنسبة 19%، ما من شأنه أن يجعل نسبة النمو الإجمالي المتوقع للبلد تصل إلى 1.4%. وللسنة الثانية على التوالي، أوقفت وزارة المالية الصرف من الميزانية السنوية في 15 من أكتوبر، رافضة طلبات اعتماد الصرف المقدمة في اللحظات الأخيرة. ومن جهته، ألغى مجلس الشؤون الاقتصادية والتنمية مشاريع بقيمة 266.7 مليار دولار وصرح أنه سيدفع جميع المبالغ المستحقة للقطاع الخاص. ويرجح أن تكون هذه الاقتطاعات، ولو جزئياً، وراء ارتفاع نسبة البطالة في صفوف السعوديين إلى 12.1%، وهو أعلى مستوى لها منذ سنة 2012.

لكن الحكومة ترى أن هذه الاقتطاعات ضرورية. وقد أجرت قناة العربية السعودية  مقابلة في أبريل 2016 مع الأمير محمد بن سلمان الذي قدم مثالاً على السبب الذي أدى إلى إعادة تقييم الميزانيات:

"لما أدخل مثلاً قاعدة في السعودية، ألاقي الأرض مبلطة بالرخام، وألاقي الجدران مزخرفة، وألاقي التشطيب خمس نجوم. وأدخل قاعدة في أميركا، أشوف المواسير للسقف، وأشوف الأرض، لا فيها لا سجاد ولا رخام، إسمنت محطوط وعملي. ففي هدر في الإنفاق عال جداً".

لكن إدراكاً منها للشكاوى التي أشعلت فتيلها الاقتطاعات الواسعة النطاق، سعت الحكومة إلى طمأنة المواطنين من خلال إظهار شفافية أكبر فيما يخص خططها الاقتصادية. وفي محاولة غير اعتيادية للترويج للخطة التقشفية، استضاف برنامج "الثامنة" المعروف، وهو برنامج حواري يعرض على قناة «إم بي سي 1»، وزير المالية ووزير الخدمة المدنية ونائب وزير الاقتصاد لشرح الوضع الاقتصادي والاجابة على تساؤلات بخصوص خطط الحكومة الاقتصادية. إلا أنه في الوقت الذي أظهرت فيه ردود الفعل على مواقع التواصل الاجتماعي، التي تُعتبر بمثابة مؤشر مهم على موقف المجتمع السعودي، عدم اقتناع جزء كبير من السعوديين، فإن المحللين عبروا عن أملهم في استمرار استراتيجيات إشراك الشعب في هذه القضايا في المستقبل.


"إن الشباب السعودي يبقى الأكثر تأثراً بالاجراءات التقشفية، فمن الصعب خلق فرص عمل في ظل تقلص الانفاق في الميزانية وخفض الرواتب."

معالجة مخاوف الشباب
إن الشباب السعودي يبقى الأكثر تأثراً بالاجراءات التقشفية، فمن الصعب خلق فرص عمل في ظل تقلص الانفاق في الميزانية وخفض الرواتب، كما أن معدلات البطالة مرتفعة في صفوف هذه الفئة، حيث إن ربع السعوديين الذين لا يتجاوز سنهم 30 سنة  عاطلون عن العمل، فضلاً عن أن 95% من الوظائف الجديدة يحصل عليها الأجانب. وبالرغم من أن مصادقة مجلس الشورى على حملة توطين الوظائف ستُسرع عملية إحداث فرص العمل، فإنه من غير المحتمل أن تسد الفجوة التي تكشفها أرقام التوظيف.

وفي هذا الصدد، كانت القيادة سريعة في ردها، فعندما عُرضت على الملك سلمان معدلات البطالة العالية، قام بإقالة وزير العمل الذي لم تتجاوز فترة تعيينه في هذا المنصب سبعة أشهر واستبدل بعلي بن ناصر الغفيص محافظ المؤسسة العامة للتدريب التقني والمهني، وهي شبكة من المدارس تقوم بتدريب السعوديين الشباب على مجموعة من الحرف، وهو ما قد يعد دليلاً على الاهتمام الذي توليه القيادة لمبادرات توظيف الشباب ومواجهة معدلات البطالة العالية.

المصادر: الهيئة العامة للإحصاء، «بلومبيرغ»، 2016

رياح معاكسة قوية لكنها لا تنذر بهبوب عاصفة
رغم الرياح المعاكسة القوية، فإن صناع القرار السعوديين متحمسون لجعل البلاد أكثر انفتاحاً على التجارة والاستثمارات الأجنبية. وفي محاولة لزيادة رأس المال في خزائن الحكومة، قامت السعودية ببيع سندات للدين العام بقيمة 17.5 مليار دولار في 19 أكتوبر 2016.

وكشفت عملية البيع هذه عن ثقة المستثمرين بقدرة المملكة على تسديد دينها. وتظل السعودية على المستوى الهيكلي اقتصاداً ضخماً ذا دين قليل تستقر نسبته عند 15%، ما يجعلها تحتل المرتبة 16 بين الدول ذات منسوب الدين الأقل بالنسبة للناتج المحلي الإجمالي في العالم. وقد كانت اقتطاعات الإنفاق واضحة وفورية، وستظل أسعار النفط أعلى من المتوقع، بفضل التدخل القوي للمملكة في مجموعة «أوبك»، بينما تستمر الحكومة في تنويع قاعدة إيراداتها.

ويتضح جزء من هذا التنويع في الصفقة التي تم الاتفاق عليها في 13 أكتوبر بين صندوق الاستثمارات العامة للمملكة ومجموعة «سوفت بنك» اليابانية من أجل إنشاء واحد من أكبر صناديق الاستثمارات الخاصة في العالم. ويخطط صندوق الاستثمارات العامة الذي يملك أسهماً بقيمة حوالي 100 مليار دولار في الشركات السعودية إلى زيادة أصوله الاستثمارية العالمية من 5% إلى 50% بحلول 2020. وعلى المدى القصير، سيسعى الصندوق السعودي إلى تنويع أصوله الاستثمارية والمشاركة في التعاون التكنولوجي محلياً وإقليمياً. أما على المدى الطويل، فتأمل البلاد في استغلال هذا النفوذ المالي من أجل حث الشركات المحلية على تأسيس مكاتب داخل البلاد، وبالتالي خلق مركز جذب تكنولوجي في المملكة.

حرب اليمن تهيمن على العناوين الرئيسية
في خطوة منها لتعزيز أمنها، قامت المملكة بزيادة مراقبة الخلايا المتطرفة وتفكيكها كما رفعت من حمايتها للمواقع الحساسة. ففي أكتوبر الماضي، أحبطت قوات الأمن مخططاً للقيام بتفجير أثناء مباراة لتصفيات كأس العالم أُقيمت في جدة بين المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات. كما أن المسؤولين السعوديين في حالة تأهب قصوى في وقت يظل فيه رجال الشرطة عبر البلاد هدفاً للهجمات.

أما خارج البلاد، تظل الحرب الدائرة في اليمن مهيمنة على العناوين الرئيسية. وقد استنفدت الرياض، التي تعتبر تحالف الحوثيين والرئيس السابق علي عبدالله صالح بمثابة خطر وجودي، موارد بشرية ومالية كبيرة من أجل احتواء الصراع وتأمين حدودها التي تمتد لمسافة ألف و800 كيلومتر مع اليمن. وبالموازاة مع ذلك، تستمر قوات الحوثيين في اعتماد تكتيكات الكر والفر انطلاقاً من الأراضي التي تقع تحت سيطرتهم على الحدود مع ثلاث محافظات سعودية. وتفيد تقارير عن مسؤولين سعوديين بأنه منذ بدء المعارك، قُتل أكثر من  500 مدني في هذه المناطق الحدودية. وإجمالاً، يقدرالمحللون بأن الحرب تكلف البلاد 200 مليون دولار يومياً.1

المصدر: «النشرة الإخبارية لدول الخليج»، العدد 1025، 2016

وقد أعادت الغارة الجوية التي شنَّها التحالف الذي تقوده السعودية في 8 أكتوبر على قاعة عزاء في صنعاء تركيز الاهتمام الدولي على الحرب. ورغم أن الفريق المشترك لتقييم الحوادث التابع للتحالف وجد أن الغارة التي أدت إلى مقتل حوالي 140 شخصاً وجرح مئات آخرين قد كانت نتيجة معلومات لم يتم التثبت منها بشكل كاف لضمان استهداف صحيح، فإن دعوات وسائل الإعلام المنادية بإنهاء الحرب تزايدت واشتد معها الضغط على الحكومات الغربية من أجل إيقاف الصادرات العسكرية الموجَّهة للتحالف.

وقد سلط وقف إطلاق النار لمدة 48 ساعة في نوفمبر الضوء على التأثير المحدود الذي ما يزال بيد المجتمع الدولي على الطرفين، خاصة وزير الخارجية الأمريكي جون كيري. وبالرغم من هذه الهدنة القصيرة، يستمر التحالف الذي تقوده السعودية في السعي لحل سلمي للصراع. لكن في ضربة للجهود السلمية، قام الحوثيون وحلفاؤهم السياسيون بتشكيل حكومة موازية في صنعاء. وقد وصف مبعوث الأمم المتحدة إسماعيل ولد الشيخ أحمد هذه الخطة بأنها "عقبة جديدة وغير ضرورية في مسار السلام في اليمن".

ترسيخ الرؤية
يستمر الأمير محمد في وضع بصمته على التشكيلة الحكومية للمملكة، حيث قام بإقالة وزير المالية إبراهيم العساف الذي ظل في منصبه لمدة طويلة وذلك في الربع الأخير من سنة 2016، وتم تعيين محمد الجدعان خلفاً له. وقد شغل الجدعان سابقاً منصب رئيس هيئة السوق المالية، حيث تولى فتح شركة السوق المالية السعودية (تداول) أمام المستثمرين الأجانب سنة 2015. ويتماشى هذا الانعطاف نحو المستثمرين الأجانب مع "رؤية السعودية 2030".

وفي سياق آخر، قام الملك سلمان بتعيين السفير السابق إلى العراق ثامر السبهان وزير الدولة لشؤون الخليج العربي. وقد طُلب من السبهان، الذي كان أول سفير سعودي يتولى منصباً في بغداد منذ غزو صدام حسين للكويت، مغادرة العراق عقب إصداره تصريحات حول تصرف الميليشيات الشيعية في العمليات المناهضة لتنظيم «داعش». وقد تم إنشاء منصب وزير الدولة لشؤون الخليج العربي، وهو منصب وزاري جديد، خصيصاً من أجل السبهان وهو أمر يسلط الضوء على حرص المملكة المتجدد على شؤون مجلس التعاون الخليجي.


"وتُبدي الرياض صبراً ملحوظاً على العديد من الجبهات، وهي واعية بأن الأزمة التي مرت بها خلال الربع الأخير من سنة 2016 ستتحول إلى فرص ملموسة في المستقبل القريب."

وقد قام الملك سلمان في أوائل شهر ديسمبر بجولة إلى أربع دول من مجلس التعاون الست. فقبيل قمة مجلس التعاون الخليجي التي انعقدت في البحرين، توقف الملك سلمان في كل من أبوظبي والدوحة قبل أن يختتم جولته بزيارة إلى مدينة الكويت دامت ثلاثة أيام. وقد أكدت الجولة على الجهود المبذولة للعمل من أجل اتحاد اقتصادي وسياسي لدول مجلس التعاون وشددت على الجهود المتنامية لتنسيق الرؤى فيما يتعلق بكل من سوريا واليمن وإيران، وطرق مواجهة التحديات الاقتصادية المستمرة.

وتُبدي الرياض صبراً ملحوظاً على العديد من الجبهات، وهي واعية بأن الأزمة التي مرت بها خلال الربع الأخير من سنة 2016 ستتحول إلى فرص ملموسة في المستقبل القريب.

سوريا

هل بلغ القتال ذروته؟

لا يوجد أي جانب مشرق للحرب التي طال بها الأمد في سوريا، والتي أدت إلى مقتل مئات الآلاف من الأشخاص. فجهود بناء السلام التي تقودها الأمم المتحدة لم تفض إلى أي نتيجة، كما زادت التطورات الإقليمية من قوة الحكومة في دمشق. إلا أن التحالفات الدولية التي ترسخت بعد انتصار الحكومة في شرق حلب قد تساهم في التعجيل بالتوصل إلى حلول مستدامة.

ولا شك أن استعادة شرق حلب بشكل سريع انتصار حاسم للحكومة وحلفائها، حيث جعلت من إدلب، والتي يسيطر عليها عدد من الجماعات المتطرفة، آخر المعاقل الحضرية للمعارضة.

في بؤر ساخنة أخرى في سوريا، أرجأت المصالح المتعارضة جهود استعادة الرقة. وعلى نطاق أوسع، يثير الشك المحيط بسياسة الرئيس الأمريكي المنتخب دونالد ترامب تجاه سوريا قلق أولئك الذين عارضوا
الحكومة السورية وإيران، كما قالت دول الخليج إنها مستعدة لزيادة دعمها لجماعات المعارضة السورية.

الجنود الموالون للأسد يفتشون قلعة حلب التاريخية، 13 ديسمبر 2016. «رويترز»/ «فوكل ميديا»

استمرار النقد اللاذع وتكوين تحالفات جديدة
لا تزال مسألة وضع حد للصراع السوري تتعرض لعراقيل النقد اللاذع والسياسات الدولية المنقسمة. وقد استعملت روسيا حق الفيتو ضد قرارين منفصلين للأمم المتحدة يقضيان بحظر الطائرات العسكرية وتطبيق هدنة لمدة ستة أيام في حلب، وهي المرة الخامسة والسادسة التي تقوم فيها بشيء مماثل منذ اندلاع الأزمة. وعقب المعركة من أجل شرق حلب، عقدت روسيا وتركيا وإيران اجتماعاً في موسكو شهد إصدار "إعلان موسكو" الذي يدعو إلى وقف إطلاق النار في كافة الأراضي السورية وإلى إيجاد حل للصراع الدائر. ولعل في مشاركة تركيا في هذا التحالف ونتائج المعارك في حلب إشارات قوية إلى إمكانية تحقيق هذا الإعلان للنتائج المرجوة. لكن الأهم من ذلك يكمن في أنه لم تتم استشارة الأمم المتحدة ولا دعوة الولايات المتحدة الأمريكية، ما يعكس عجزهما المتنامي عن التأثير على مسار الأحداث على الأرض.

وفي دمشق، عززت التحالفات الجديدة والتطورات الإقليمية موقف الحكومة. ففي 17 أكتوبر، التقى وفد أمني سوري بقيادة مستشار الأمن القومي علي مملوك (في أول زيارة رسمية له منذ أكثر من خمس سنوات)، بمسؤولين أمنيين مصريين في القاهرة لمناقشة التنسيق والتعاون في مجال الاستخبارات. وقد قامت مصر، إلى جانب روسيا، بمعارضة قرار حظر الطائرات العسكرية فوق حلب. أما في لبنان، فإن انتخاب ميشال عون المدعوم من «حزب الله» كرئيس للبلاد، وهو الموالي للأسد، كان بمثابة انتصار آخر للحكومة السورية. ناهيك عن أن وزير خارجية الجزائر قد هنأ سوريا علناً على استرجاعها لحلب، معتبرا ذلك "نصراً على الإرهاب". هذا الدعم يزيد من تعزيز موقف الأسد في الصراع.

استرجاع حلب: نقطة تحول
خلال الربع الأخير من سنة 2016، تقدمت قوات الحكومة بخطوات ثابتة نحو أحياء المعارضة في شرق مدينة حلب. ومع سيطرتها على مناطق مهمة منها مشروع 1070 شقة وضاحية الأسد، تقدمت القوات الحكومية والميليشيات المتحالفة معها نحو الضواحي الجنوبية الشرقية بما فيها الشيخ سعيد، ما أسفر عن انهيار الخطوط الدفاعية للثوار واسترجاع الجزء الأكبر من شرق مدينة حلب.


"يمثل استرجاع شرق حلب أمرين رئيسيين: الانتصار الأهم للحكومة منذ اندلاع المعارك في 2011، وهزيمة لا عودة بعدها للمعارضة التي باتت تسيطر على مدينة واحدة هي إدلب."

بعد ذلك بفترة وجيزة، اتفق الطرفان على السماح للمعارضة والمدنيين بالتوجه إلى غرب حلب الخاضع لسيطرة الحكومة أو إلى الأراضي الخاضعة لسيطرة الثوار في الغرب. ويمثل استرجاع شرق حلب أمرين رئيسيين: الانتصار الأهم للحكومة منذ اندلاع المعارك في 2011، وهزيمة لا عودة بعدها للمعارضة التي باتت تسيطر على مدينة واحدة هي إدلب.

لكن في إدلب بدأت الانقسامات الداخلية في الظهور، كما أن سيطرة بعض من الجماعات المتطرفة على المحافظة ستعزز موقف الحكومة التي كانت تقول مرارا وتكرارا إن المعارضة متطرفة.

مصالح متشعبة في الشمال
خلال الربع الأخير من سنة 2016 في شمال سوريا، دخلت قوات المعارضة المدعومة من تركيا والتي تقاتل تحت إطار غرفة عمليات «درع الفرات» في مواجهة مع «قوات سوريا الديمقراطية» التي يسيطر عليها الأكراد. شأنها شأن الأكراد، تسعى المعارضة لاستعادة قرية الباب من يد «داعش» بنيَّة السيطرة على منبج بعد ذلك. هذا الأمر من شأنه أن يقضي نهائياً على الآمال الكردية في توحيد منطقتين شمال سوريا تحت حكم الأكراد.

بيد أنه في السادس من نوفمبر، أطلقت القوات الكردية «عملية غضب الفرات» بهدف طرد تنظيم «داعش» من الرقة. وقد استبق هذا التحرك المدعوم من الولايات المتحدة تحركات تركيا وقوضها، حيث كان المسؤولون الأتراك قد أبدوا معارضتهم لهجمة بقيادة الأكراد على المدينة. وبحلول أواخر شهر ديسمبر، كانت «قوات سوريا الديمقراطية» قد سيطرت على 1300 كلم مربع في الجزء الغربي من المحافظة.


"لا شك أن الانقسام والعداء المستشري بين أعداء «داعش» في شمال سوريا قد يمنح التنظيم المجال والوقت من أجل الاستعداد للقتال في كل من الرقة ودير الزور."

ويظل من غير الواضح ما إذا كان باستطاعة «قوات سوريا الديمقراطية» الاستمرار في شنها لهجوم شامل على الرقة في الوقت الذي تحاصرها فيه «قوات درع الفرات» التي تدعمها تركيا في الشمال.

إن جهود تركيا في عرقلة وإضعاف «قوات سوريا الديمقراطية» ستؤثر على قدرة هذه القوات في الاستيلاء على المنطقة الرئيسية الخاضعة لتنظيم «داعش» في سوريا. ولا شك أن الانقسام والعداء المستشري بين أعداء «داعش» في شمال سوريا قد يمنح التنظيم المجال والوقت من أجل الاستعداد للقتال في كل من الرقة ودير الزور.

أما في دمشق، فقد سمحت الهدنات المحلية في سبتمبر بانتقال 1600 شخص من السكان والثوار من منطقة المعضمية الواقعة تحت سيطرة المعارضة إلى إدلب التي يسيطر عليها الثوار. وفي شهر نوفمبر، أدت الاتفاقات التي تم التوصل إليها في مدن التل وخان الشيح التي يسيطر عليها المتمردون إلى مغادرة آلاف المسلحين وعائلاتهم نحو إدلب. وقد جاءت هذه الهدنة عقب اتفاقات محلية سابقة بين مجموعات المعارضة والحكومة، مثل إخلاء داريا من أجل نقل المدنيين والمقاتلين الثوار الذين سمح لهم بالاحتفاظ بأسلحة خفيفة إلى المدن الواقعة تحت سيطرة المعارضة شمال البلاد.

وفي خطوة من أجل الضغط على دمشق، قام الاتحاد الأوروبي بفرض عقوبات على 16 مسؤولاً في الحكومة السورية، من بينهم محافظ بنك سوريا المركزي، بناء على اتهامات بارتكاب جرائم ضد المدنيين في حلب. ومنذ اندلاع الحرب، فرض أعضاء آخرون في المجتمع الدولي عقوبات على أفراد وشركات وصناعات مهمة، إلا أن المتضرر الأكبر من هذه العقوبات كان اقتصاد سوريا وشعبها.

المدنيون يتحملون العبء الأكبر
يظل الوضع في سوريا أكثر الأوضاع الإنسانية سوءاً في العالم. وقد كشف تقرير حديث أصدرته منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة أن 80% من الأسر تعاني من انعدام الأمن الغذائي. ويرجع هذا جزئياً إلى العقوبات الدولية وموجة الجفاف المستمرة وتكتيك التجويع الذي تتَّبعه الحكومة وبشكل أقل قوات المعارضة في الأحياء المحاصرة.

وقد أسفرت الحملة الأخيرة على شرق حلب عن مقتل المئات وترحيل عشرات الآلاف من المدنيين، كما تحولت أحياء بكاملها إلى ركام. أما ما تبقى من المدينة فقد بات مهجوراً، في حين أصبحت إدلب بمثابة بؤرة إنسانية بالنسبة للنازحين.

ورغم أن المشهد السوري عرف تحولات مهمة خلال الربع الأخير من سنة 2016، إلا أن الوضع ما يزال حرجاً ومعقداً.

يتعمق هذا الجزء من التقرير في الآثار التي يمكن أن تنجم عن الانسحاب البريطاني الوشيك من الاتحاد الأوروبي على  التبادلات التجارية والتدفقات الاستثمارية بين المملكة المتحدة ودول مجلس التعاون الخليجي. وضمن مبحث "معضلة جلية دون حلول فعلية" نقوم باستطلاع مشاكل الأمن الغذائي في منطقة غرب آسيا وشمال إفريقيا، إذ نتطرق إلى الوضع الغذائي في كل دولة، وإلى آثار الصدمات الخارجية الأخيرة عليها، مع تسليط الضوء على فرص تحسين الأوضاع الحالية.

تأثير خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي على دول مجلس التعاون الخليجي

الفرص والتهديدات والاعتماد المتبادل

أكدت رئيسة وزراء بريطانيا تيريزا ماي إن المملكة المتحدة ستشرع في عملية انسحابها من منظومة الاتحاد الأوروبي ابتداءً من مارس 2017، وذلك رغم قرار المحكمة الصادر مؤخراً والذي من شأنه أن يعرقل الإجراءات العملية للانسحاب. وبالنظر إلى العلاقات الوثيقة التي تربط البلاد بدول مجلس التعاون الخليجي، فإن هذا الانسحاب قد يؤدي إلى بروز عدد من الفرص والتحديات للمنطقة. وبالفعل، فإن حضور تيريزا ماي لمؤتمر القمة الخليجية في المنامة في ديسمبر 2016 أكّد رغبتها في توطيد العلاقات مع دول الخليج لضمان الإنتعاش الإقتصادي بعد خروج بريطانيا من الإتحاد الأوروبي.

فعلى إثر الاستفتاء الذي أُجري في 23 يونيو 2016 والذي أسفر عن تصويت البريطانيين للانسحاب من الاتحاد الأوروبي، تأثر الاقتصاد البريطاني عبر قناتين رئيسيتين تتمثلان في انهيار العملة وتراجع معنويات الأسواق. فقد انحدرت قيمة الجنيه الاسترليني إلى أدنى مستوياتها منذ ثلاث سنوات مقارنة باليورو عقب إعلان ماي عن خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي. ومنذ 23 يونيو، سجّلت قيمة الجنيه الاسترليني انخفاضاً بنسبة 18% مقارنة بالدولار الأمريكي، وهو أدنى مستوى منذ عام 1985، كما أصبح الجنيه الاسترليني يعادل 1.22 دولار في 20 أكتوبر.

المصدر:«بلومبيرغ»، 2016

وقد توقع العديد من الخبراء الاقتصاديين قبل تنظيم الاستفتاء أن يكون لتصويت البلاد للخروج من الاتحاد الأوروبي أثر فوري ومهم على اقتصاد المملكة المتحدة وثقة المستهلكين، إلا أن معظم هذه التنبؤات المتشائمة لم تتجسد بعد على أرض الواقع: فقد حقق قطاع الخدمات البريطاني نمواً بنسبة 0.4% في يوليو وهو ما فاق كل التوقعات، كما شهد الناتج المحلي الإجمالي ارتفاعاً بنسبة 0.7% ما بين أبريل ونهاية يونيو، وذلك حسب معطيات مكتب الإحصاءات الوطنية البريطاني. وعلاوة على ذلك، ألغت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية تحذيرها بأن المملكة المتحدة ستتضرر فور التصويت لفائدة الخروج من الاتحاد الأوروبي، كما راجعت توقعاتها بشأن نمو الناتج المحلي الإجمالي للبلاد سنة 2016 معدلة إياها من 1.7% إلى 1.8%.

ولم تشهد المعاملات التجارية بين المملكة المتحدة وشركائها الرئيسيين تغيراً كبيراً منذ الاستفتاء، وإن كان هؤلاء الشركاء التجاريون قد تأثروا إيجاباً بتراجع الجنيه الاسترليني خاصة عند استقبالهم للصادرات البريطانية. وبالنظر إلى مستوى الخطاب السياسي حالياً، فإن العلاقات مع الاتحاد الأوروبي قد تأثرت بشكل أو بآخر، ومع ذلك فإنه من مصلحة الطرفين تقليل الأثر الناجم عن خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي.


"نظراً لضعف الجنيه الاسترليني، ستتمتع دول مجلس التعاون بميزة ارتفاع قدرتها الشرائية في الأسواق البريطانية."

التداعيات على دول مجلس التعاون الخليجي
تربط المملكة المتحدة ودول مجلس التعاون الخليجي علاقات تجارية تاريخية. ورغم أن 10% من صادرات المملكة المتحدة تصل دول مجلس التعاون، فإنها لا تستقبل سوى 2.7% من الصادرات الخليجية، ما يعني أنه لن يكون لأي ضرائب أو رسوم جديدة أثر كبير على دول مجلس التعاون. ونظراً لضعف الجنيه الاسترليني، ستتمتع دول مجلس التعاون بميزة ارتفاع قدرتها الشرائية في الأسواق البريطانية.

علاوة على ذلك، ورغم أنه لا يمكن للمملكة المتحدة قانونياً التوقيع على أي اتفاق ثنائي حتى تاريخ انسحابها من الاتحاد الأوروبي، فإن صُناع القرار السياسي في دول الخليج ونظرائهم البريطانيين بصدد خوض مناقشات حول اتفاقية تجارة حرة.


ورغم الخسائر قصيرة الأمد التي تكبدتها دول مجلس التعاون في الأسواق المالية، فإنه يُستبعد أن تواجه هذه الدول انعكاسات اقتصادية سلبية على المدى البعيد. ولعل الصناديق السيادية لدول مجلس التعاون والالتزامات الثنائية في الأسواق العقارية أبرز الأمثلة على كيفية تخفيف حدة أثر انسحاب المملكة المتحدة من الاتحاد الأوروبي. إضافة إلى ذلك، ترتب عن انخفاض قيمة الجنيه الاسترليني ارتفاع في التدفقات الخليجية نحو البلاد، كما أن انسحاب لندن من الاتحاد الأوروبي قد يفتح المجال أمام توطيد العلاقات الاقتصادية مع دول مجلس التعاون.

الصناديق السيادية
تتميز استثمارات الصناديق السيادية الخليجية في المملكة المتحدة بضخامتها وتنوعها، فعلى سبيل المثال، أقدم جهاز قطر للاستثمار على شراء متاجر «هارودز» بمبلغ يقدر بـ1.8 مليار دولار وامتلاك حصص في شركات أخرى مثل «سينسبيري» و«باركليز» وشركة «سونغبيرد» العقارية (صاحبة حصة الأغلبية في شركة «كاناري وارف»)، إضافة إلى شركة «بي إي إي» المسؤولة عن إدارة وتشغيل مطار «هيثرو». أما باقي الصناديق السيادية الخليجية، والتي تفضل أن تكون أكثر سرية، فقد ثبَّتت بدورها أقدامها في قطاعات العقار والنقل والترفيه وتجارة التجزئة داخل المملكة المتحدة. ورغم أهمية هذه الاستثمارات، فإن حجم الاستثمارات الخليجية الإجمالية في بريطانيا وتنوعها سيمكِّنانها من تحمل الصدمات التي قد تضرب الأسواق والخروج منها بأقل الأضرار على المدى القصير. وستتمكن الصناديق السيادية الخليجية من امتصاص الأثر الناجم عن تقلبات أسعار الأصول وأسعار الصرف المترتبة عن خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، ما سيقلص احتمال تأثر الأصول الحكومية الصافية لدول مجلس التعاون نتيجة أي هبوط في قيمة الاستثمارات القائمة. أما إذا أظهر الاقتصاد البريطاني علامات ضعف بعيد الأمد، فسيكون من الممكن نقل هذه الاستثمارات، وبالتالي تهميش المخاطر المرتقبة عليها.


"يُضعف تراجع الجنيه الاسترليني القدرة الشرائية للمستثمرين البريطانيين في دول مجلس التعاون الخليجي الذين يشكلون مجموعة استثمارية مهمة في قطاع العقار في بعض المدن الخليجية."

العقار
يُضعف تراجع الجنيه الاسترليني القدرة الشرائية للمستثمرين البريطانيين في دول مجلس التعاون الخليجي الذين يشكلون مجموعة استثمارية مهمة في قطاع العقار في بعض المدن الخليجية. فعلى سبيل المثال، كان البريطانيون يمثلون ثاني أكبر مجموعة استثمارية في قطاع العقار بدبي خلال فترة 2015-2016، بمساهمة قُدرت بـ1.1 مليار دولار. وحسب شركة «جي إل إل» للوساطة العقارية، فقد تجسد الأثر الأولي للاستفتاء وتراجع العملة الذي ترتب عنه استمرار تراجع أسعار السكن في دبي لستة أشهر، علماً أنه كان يُتوقَّع أن ينتهي هذا التراجع في الربع الثالث أو الرابع من سنة 2016. هذا وستشعر باقي دول مجلس التعاون التي تشهد استثماراً مماثلاً في قطاع العقار بهذا الأثر.

غير أنه من المتوقع أن تتخذ هذه التوجهات مساراً معاكساً في السنوات القادمة حيث ستوفِّر الأسعار المتدنية فرصاً جديدة للاستثمار، وسيستغل المستثمرون من دول مجلس التعاون الخليجي انخفاض قيمة الجنيه الاسترليني من خلال الاستثمار في مجال العقار بالمملكة المتحدة. ففي ديسمبر 2014، وافقت مجموعة أبوظبي المالية على شراء «نيو سكوتلاند يارد»، وهو المقر السابق لقوات شرطة لندن، بمبلغ يقدر بـ451 مليون دولار. وقد تمت الصفقة في 31 أكتوبر 2016، ومكن انخفاض قيمة الجنيه الاسترليني مجموعة أبوظبي المالية من توفير  أكثر من 20% من السعر الأصلي. وفي ظل الانخفاض التاريخي للعملة البريطانية، سيواصل مستثمرو دول مجلس التعاون الخليجي تصيد الصفقات.

رئيسة الوزراء البريطانية ماي والعاهل البحريني الملك حمد بن عيسى آل خليفة (اليمين) ينضمون إلى زعماء آخرين لصورة تذكارية في المنامة، البحرين في تاريخ 7 ديسيمبر 2016. المصدر: ستيفان ويرمث، رويترز/فوكال للاعلام

التداعيات والتهديدات والفرص
إن تداعيات خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي على مجلس التعاون الخليجي متعددة الأوجه، تتمثل أبرزها في انخفاض التدفقات الواردة إلى دول مجلس التعاون بسبب ضعف الجنيه الاسترليني، لا سيما فيما يتعلق بالقطاعات الموجهة للخارج كالسياحة والضيافة والعقار. ومن المحتمل أن ينخفض عدد الزائرين البريطانيين والمبلغ الذي ينفقه السائح الواحد، مما يُرجّح أن يؤثر على نمو القطاعات غير النفطية في دول مجلس التعاون.

ومن ناحية أخرى، قد تؤدي التوقعات التي تشير إلى بطء النمو الاقتصادي والغموض الذي يخيم على المشهد السياسي إلى استهداف المستثمرين والشركات الأسواقَ ذات معدلات النمو المرتفعة وتحويل التدفقات الاستثمارية إلى مجلس التعاون الخليجي، مما قد ينتج عنه ارتفاع في طلبات إصدار السندات الإقليمية. ومن المحتمل أن تنقل بعض الشركات البريطانية مقراتها إلى دول أجنبية بما فيها دول مجلس التعاون. وعلاوة على ذلك، ستحقق تدفقات الاستثمارات نحو المملكة المتحدة عائدات مرتفعة تتخطى انخفاض قيمة العملة.

وفي الوقت الذي تخفض فيه الحكومات والشركات من قوتها العاملة، أصبحت دول مجلس التعاون بفضل أزمة العملة تستقطب البريطانيين أصحاب المهارات العالية. ومع تراجع قيمة الجنيه الاسترليني، ستسعى القوة العاملة البريطانية إلى الهجرة إلى دول أخرى للاستفادة من فرص العمل المتنوعة التي تمنحها هذه الأخيرة. وفضلاً عن ذلك، من المتوقع أن يتم عقد اتفاقيات تجارة حرة مع بريطانيا حيث يعطي قادة دول مجلس التعاون الأولوية لعلاقات دولهم مع المملكة المتحدة.

جعلت ماي من دول الخليج هدفاً للاستثمارات البريطانية والتجارة المتبادلة، وتوضّحت نواياها عند لقائها بقادة الخليج الستة أثناء زيارتها للمنامة ، فقد أعلنت رئيسة الوزراء البريطانية حينها عن تأسيس فريق عمل مشترك لبحث سبل تذليل العقبات المتبقية أمام التجارة، كما أكدت مشاركة المملكة المتحدة في اكسبو دبي 2020 إلى جانب ترتيبات تجارية طموحة بين المملكة المتحدة ودول مجلس التعاون الخليجي.

"أود ألا يكون هناك شك لدى أحد بشأن حجم طموحي أو مدى عزمي على بناء أقوى علاقات تجارية ممكنة بين المملكة المتحدة والخليج."

وفي شكل عام، ورغم الصلة الوثيقة التي تربط بين هذه الاقتصادات، فإن خروج المملكة المتحدة من الاتحاد الأوروبي لن يؤثر على النشاط الاقتصادي القائم بينها وبين دول مجلس التعاون الخليجي، بل بالعكس، قد يوطد هذا الخروج العلاقات القائمة ويوسعها، خاصةً في ظل محاولات لندن لمواجهة تداعيات الخروج من الإتحاد الأوروبي وتوثيق العلاقات مع دول الخليج، وجهود قادة الخليج للاستفادة من ديناميات هذه العلاقة الجديدة.

الأمن الغذائي

التحدي الذي يمكن استباقه


ليس سراً أن مسألة الأمن الغذائي في منطقة غرب آسيا وشمال إفريقيا تُمثل إشكالية لها تداعيات خطيرة يدركها صناع القرار ولكن دون أن يتم اتخاذ الإجراءات الكفيلة بالتصدي إليها. ونظراً لإنعكاسات الأمن الغذائي على الأمن القومي والاستقرار السياسي والاجتماعي والنمو الاقتصادي، فإنها يجب أن يحظى باهتمام أكبر بكثير مما هو عليه الحال اليوم.

وفقاً لمنظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة، يتحقق الأمن الغذائي عندما تتاح لكافة الناس، وفي كل الأوقات، الإمكانيات المادية والاجتماعية والاقتصادية للحصول على غذاء كاف وآمن ومُغذٍّ يستجيب لاحتياجاتهم واختياراتهم الغذائية، بما يتيح لهم التمتع بحياة مفعمة بالصحة والنشاط.

"وكمثال على الدور المحوري الذي يلعبه الأمن الغذائي في الديناميات الوطنية والإقليمية، نذكر النموذج السوري الذي يحمل عبراً قد تستفيد منها حكومات المنطقة."

وكمثال على الدور المحوري الذي يلعبه الأمن الغذائي في الديناميات الوطنية والإقليمية، نذكر النموذج السوري الذي يحمل عبراً قد تستفيد منها حكومات المنطقة. فقد أدت الإصلاحات الهيكلية التي قام صندوق النقد الدولي بدعمها عند مطلع الألفية الثالثة إلى خلق بؤر احتكارية استحوذت عليها فئة صغيرة من التجار، ولم تسهم بأي شكل يُذكر في تخفيف وطأة سنوات من الهشاشة الاقتصادية التي ما انفك يعاني منها المزارعون الفقراء، ومعظهم من السُّنة، في المناطق الريفية في شمال البلاد وجنوبها. أمَّا موجات الجفاف المتتالية التي شهدتها البلاد – وهي الأسوء من نوعها في تاريخ سوريا المعاصر – فضلاً عن سنين طويلة من سوء تدبير الموارد المائية، فلم تزد الأوضاع إلاَّ تعقيداً، ما جعل مئات الآلاف من العاملين في القطاع الزراعي يعانون الفاقة، حيث أُجبر العديد من المزارعين إلى النزوح للمدن بحثاً عن أي عمل كان. والمغزى هنا هو أن الضغوطات الاجتماعية التي ولَّدها هذا الوضع قد انتجت بعض العوامل الكفيلة بإشعال فتيل ثورة شعبية.

رجل يحاول حصاد القمح من حقل يحترق في معرة مصرين، شمال إدلب في 6 يونيو، 2013 ، الذي قال النشطاء أنه احترق نتيجة قصف القوات الموالية للنظام السوري. رويترز/فوكال للإعلام

سارعت الاقتصادات المصدرة للنفط إلى إعادة هيكلة نفقاتها وموازنتها وتنويعها جرَّاء الانخفاض الذي شهدته أسعار النفط خلال سنة 2016، فيما باتت الاقتصادات المستوردة للنفط تشعر بوطأة انخفاض التحويلات المالية من الخارج وتضاؤل الاستثمارات الأجنبية المباشرة. حيث انشغلت الحكومات بتحديد المجالات التي ستلحقها اقتطاعات في الميزانية، وقد غاب عن أذهان المسؤولين مدى أهمية ضمان وفرة المواد الغذائية بأسعار لا تثقل كاهل المواطن. وينبغي على هذا الجانب أن يكون على رأس الأولويات نظراً لارتباطه بمعاش الناس وبقاء الدولة.

تأثير الصدمات الخارجية على انعدام الأمن الغذائي
تستورد منطقة غرب آسيا وشمال إفريقيا أكثر من 50% من المواد الغذائية التي تستهلكها. ونظراً للارتباط المباشر بين أسعار الأغذية وتقلبات الأسواق الدولية وسلات العملات، فإن الحكومات عادةً ما تجد نفسها عاجزة في وجه الصدمات الخارجية، فيما تعيش الدول التي تشهد انفجاراً سكانياً أو ارتفاعاً في معدل الفقر أو صراعات مزمنة صعوبات أشد من ذلك.


بالرغم من أن مصر قد تمكنت من تحسين ترتيبها في مؤشر الأمن الغذائي العالمي بشكل ملحوظ، إلا أنها ما زالت تواجه أزمة غذائية كبرى، حيث إن اعتمادها على أسواق الغذاء العالمية – كما هو حال دول أخرى في المنطقة – قد تأثر بسبب الإرتفاع الكبير الذي شهدته الأسعار جراء ندرة الدولار في الآونة الأخيرة. وفي محاولة لحل أزمة العملة هذه، لجأت السلطات المصرية إلى تعويم الجنيه، علماً بأنه سيتعين عليها كذلك إصلاح نظام دعم المواد الغذائية. وسيؤدي هذا إلى تواصل ارتفاع الأسعار الحقيقية على المدى القصير، وهي خطوة ولدت استياءً واسعاً ومخاوف متزايدة من اندلاع أعمال شغب أو مظاهرات في مناطق معينة.

ويرتبط وضع الأمن الغذائي في المنطقة ارتباطاً وثيقاً بندرة المياه والتغير المناخي والتدهور البيئي. حيث تقع معظم الدول الغنية بالموارد الطبيعية في أماكن تعاني من شح المياه، مما يحد من قدرتها على توفير المواد الغذائية المنتَجة محلياً. أما الدول التي تمتلك المصادر الزراعية فإنها لا تتمكن دائماً من استغلالها أو تمويل الإنتاج الزراعي دون مساعدة.

بيد أن هناك بصيصاً من الأمل، حيث عرف مستوى إنتاج ووفرة الأغذية في المنطقة ارتفاعاً على مدى السنوات الـ15 الماضية، كما أن بعض الدول أصبحت تقدم نماذج جيدة للطرق والوسائل التي يمكن للحكومات والقطاع الخاص اعتمادها لسد الثغرات الموجودة.

نماذج للدراسة في تحسين الأمن الغذائي
حقق المغرب خلال العقدين الماضيين تقدماً مهماً في خفض معدل الجوع وسوء التغذية، لكن ترتيبه يظل ضمن النصف الأدنى من مؤشر الأمن الغذائي العالمي على المستوى الإقليمي. وقد أطلق المغرب في 2008 مخطط المغرب الأخضر من أجل تعبئة قدرات القطاع الزراعي الذي يشكل حالياً 13% من الناتج المحلي الإجمالي للبلاد ويُشغِّل 40% من القوى العاملة. ويرتكز البرنامج على مقاربة ذات مسارين: أولاً، الاستثمار الواسع النطاق في الأعمال التجارية-الزراعية؛ وثانياً، تقليص معدل الفقر مع تعزيز الإمكانيات الاقتصادية للحصول على الغذاء عبر دعم صغار المزارعين في المناطق المهمشة.

في المسار الأول، تم الحصول على استثمارات أجنبية إضافية عبر مساهمات وطنية في التقنيات المتعلقة بالمكننة والري وتسميد المحاصيل، كما أدى استعمال تقنيات الاستغلال الفعال للموارد مثل الري بالتنقيط والبذر المباشر إلى استقطاب المستثمرين. وفيما يتعلق بالمسار الثاني، فقد قامت الحكومة بخلق تعاونيات من أجل صغار المزارعين. وبما أن 40% من المغاربة يعيشون في المناطق القروية، فإن حياتهم غالباً ما ترتبط بالزراعة التي تعتبر قطاعاً مهماً خاصة بالنظر لكون الفقر في المغرب يظل ظاهرة قروية بشكل كبير

وتظل النتائج مبشرة حتى هذه الساعة، فقد استقطبت الحكومة استثمارات بقيمة 1.5 مليار دولار بحلول نهاية 2015 عبر تأجير الأراضي الزراعية بأسعار بقيت تتراوح بين 20 و50% من سعر السوق. وقد ارتفعت الصادرات الزراعية، كما يتم حالياً زيادة الأراضي الزراعية المُستغلة بنسبة 11%، ما أدى إلى ارتفاع تقديرات قيمة القطاع الزراعي من 7.6 مليار دولار في 2008 إلى 12 مليار دولار في 2015. وقد تمكن المغرب بشكل يثير العجب من تحقيق الهدف الإنمائي للألفية الأمم المتحدة القاضي بتخفيض الفقر المدقع والجوع إلى النصف قبل الموعد النهائي بسنتين.

أما في أماكن أخرى من المنطقة، تتباين التقنيات والموارد المستعملة لمواجهة قضية انعدام الأمن الغذائي بشكل كبير. ففي الخليج العربي، وهي المنطقة ذات المناخ الأكثر جفافاً، يتم استيراد 98% من الأغذية المستهلكة. وقد أدى هذا الاعتماد إلى قيام صناع السياسات باستهداف الاستدامة والتنويع من أجل ضمان قدرة البلاد على تجاوز أي نوع من العقبات، سواء كانت في ارتفاع أسعار السلع أو نقص في السوق العالمية أو قسوة المناخ.

وفيما يتعلق بالإنتاج الزراعي، قامت العديد من دول الخليج بالاستثمار في تقنيات الزراعة المبتكرة مثل الزراعة المائية وتقنيات الدفيئة الجديدة. ومن الممكن أن تعزز تقنيات التقطير واستزراع امطار الإنتاج المحلي عبر استخلاص الماء من الهواء الجوي الرطب ، كما أصبحت تربية الأحياء المائية مجالاً رئيسياً للاستثمار وجزءاً مهماً من استراتيجية الأمن الغذائي الخاصة بالإمارات العربية المتحدة. لكن رغم تلك الخطط الطموحة، تظل أمام هذه التقنيات طريق طويلة قبل أن تتمكن من تحسين معدل الواردات مقارنة بالإنتاج المحلي.


وقد قامت دولة الإمارات أيضاً بإنفاق موارد مهمة لشراء أو تأجير أراضٍ زراعية أجنبية، لكن هذه الاستراتيجية لا تخلو من مخاطر، فإطلاق مشاريع زراعية واسعة النطاق قد يكون صعباً ومكلفاً ويستهلك وقتاً طويلاً، وبالطبع يجب أخذ السياسة بعين الاعتبار. ومن أجل تفادي مثل هذه المشاكل، يمكن للاتفاقيات التي تركز على الزراعة التعاقدية والاستثمار في الأعمال التجارية الزراعية، مثل الشراكة بين القطاعين العام والخاص مع شركة الظاهرة القابضة المحلية، أن تقي أبوظبي من عواقب سياسية غير مرغوبة وتوفر المزيد من الفرص للقطاع الخاص.

المصدر: «دي دبليو»، 2016

الفرص المتاحة لصناع السياسات والقطاع الخاص
من أجل تحفيز الاستثمار والتركيز على الأمن الغذائي، يمكن منح محفزات اقتصادية للقطاع الخاص، فمثلاً، يمكن أن يكون تبادل المعرفة التقنية مفيداً بشكل كبير لشركاء القطاع الخاص عبر ضمان اتخاذهم لقرارات مدروسة.

وفي أماكن أخرى، يمكن دعم صغار المزارعين في منطقة غرب آسيا وجنوب إفريقيا عن طريق مساعدتهم على تحسين تقنية الإنتاج والقدرة التنافسية. ففي المغرب مثلاً، يمكن القيام بهذا عبر دعم الأبحاث الزراعية والخدمات الإرشادية من خلال الوزارات والسلطات المحلية المعنية.

كما يمكن لمحفزات أخرى مثل القروض بدون فائدة أو المنح الحكومية التي تهدف إلى تسريع تمويل تقنيات الزراعة الذكية مناخياً مثل تنويع المحاصيل وحصاد المياه وهندسة البذور المقاومة للجفاف، أن تعزز طرق الإنتاج المبتكرة، كما يمكن الجمع بين هذه التدابير من أجل مضاعفة النتائج .

ورغم أن السياق هو الذي يحدد كيفية قيام صناع السياسات والقطاع الخاص بسد ثغرات الأمن الغذائي المتواجدة في منطقة غرب آسيا وشمال إفريقيا، يشكل عقد شراكات بين القطاعين العام والخاص لتطبيق مشاريع مبتكرة نقطة بداية جيدة. 


"في ظل الاضطرابات المتكررة وعدم الاستقرار في المنطقة، نجد أن تطوير استراتيجيات مستدامة لتحقيق الأمن الغذائي لا يزال في ذيل أجندات العديد من الحكومات."

التركيز المتجدد على الأمن الغذائي
في ظل الاضطرابات المتكررة وعدم الاستقرار في المنطقة، نجد أن تطوير استراتيجيات مستدامة لتحقيق الأمن الغذائي لا يزال في ذيل أجندات العديد من الحكومات. وحتى إن لم يؤدِّ عجز الحكومات عن ضمان إمدادات غذائية مأمونة ووافرة وبأسعار معقولة إلى نشوب المزيد من الاضطرابات، فقد يكون على الأقل هو السبب الرئيسي وراء العديد من التظلمات المجتمعية.



إضافة

في وقت أصبحت تتصدر فيه التطورات الإقليمية عناوين الصحف الدولية، بات كذلك من المهم دراسة الكيفية التي تنصهر بها دقائق البيانات والأحداث المحلية لتساهم في تشكيل سرد واف حول تطور المنطقة والتغييرات التي تشهدها باضطراد. يمكن النظر إلى منطقة غرب آسيا وشمال إفريقيا على أنها أرضية تجارب تلتقي فيها مجموعة من خطوط التماس العالمية. ففي حروبها ضد تنظيم «داعش» أو لاستعادة مدينة حلب، تظل الحكومات معتمدة على القوى الخارجية من أجل الدعم الاستراتيجي أو المادي. وإذ نحن نتطلع إلى المستقبل، لا يسعنا إلا أن نتساءل عما سيحدث عندما يظهر قادة قوى كبرى جدد؟

ومع وجود تأثير متبادل كبير بين القوى واللاعبين الإقليميين المتعددين، لا يجب النظر إلى التطورات ضمن محاورها المحدودة. فمع خروج المملكة المتحدة من الاتحاد الأوروبي وتطلعها نحو مجلس التعاون الخليجي من أجل الاستثمار الثنائي، يبرز سؤال حول تأثير هذا الأمر على السياسة البريطانية في مناطق أخرى؟ بمعنى آخر، هل ستنطوي العلاقات المتجددة بين المملكة المتحدة ومجلس التعاون الخليجي على تدخل أكبر لبريطانيا في اليمن وسوريا أو غيرها من الملفات ذات الصلة؟

عندما نطّلع على الأحداث والقرارات التي تم اتخاذها خلال الربع الأخير من السنة، يصعب علينا التفريق بين الحوادث المعزولة والاتجاهات السائدة والتحولات النوعية بعيدة المدى. وستفرض سياسة شد الحزام اختيارات مهمة بشأن التوجه والأولويات، إلا أن عدم القدرة على حماية الشرائح الضعيفة من المجتمع قد يؤدي إلى توسع دائرة الفقر. ومن هذا المنطلق، تُعتبر الرؤية بعيدة المدى أمراً ملحاً، حيث إن الفشل في خلق شبكة أمان اجتماعية أساسية اليوم، مثل ضمان الأمن الغذائي، قد يؤدي إلى اضطرابات اجتماعية وسياسية أو صراعات أهلية مستقبلاً.

وقد يبدو التداخل بين التخصصات والأحداث والدول والشعوب والجغرافيا أمراً جلياً، لكن في كثير من الأحيان، يتم وصف الأحداث بمعزل عن غيرها ويتم اتخاذ القرارات باندفاعية. لذلك يجب دراسة وتأمل التطورات عبر عدسات متعددة على المدى القصير والمتوسط والطويل.


لقد تم التوقف عن إجراء البحوث لهذا التقرير في 27 ديسمبر، 2016.